الإبداع والتميز تحت الرقابة
Englishاقرأ الترجمة الإنجليزية
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- 6 دقائق قراءة
- المشاهدات
- 11 مشاهدة

المجلس الأعلى للأبداع والتميز وصندوق الدعم التابع له :
يمثل دعم الإبداع والتميز أحد الاستثمارات المهمة في مستقبل المجتمع والاقتصاد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باحتضان الأفكار وتحويلها إلى مشاريع وشركات ناشئة. ولهذا فإن المؤسسات التي تتولى هذه المهمة لا تحتاج فقط إلى الرؤية والقدرة على اكتشاف المبدعين، وإنما تحتاج أيضاً إلى منظومة قوية من الحوكمة والشفافية والرقابة تضمن أن تصل الموارد إلى مستحقيها، وأن تُتخذ قرارات التمويل والاستثمار وفق معايير واضحة وقابلة للتحقق.
المجلس الأعلى للإبداع والتميز تأسس عام 2013 ، وهو إحدى مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ويعتبر المجلس المظلة الرسمية العليا التي تمثل قطاع الإبداع في فلسطين، ويهتم المجلس بكل مجالات الإبداع العلمية والفنية، والمرتبطة مباشرة في العلوم والتكنولوجيا
وفي هذا السياق، أجرى ديوان الرقابة المالية والإدارية تدقيقاً مالياً على أعمال المجلس الأعلى للإبداع والتميز عن السنة المالية المنتهية عام 2022، كما أجرى تدقيقاً على صندوق دعم الإبداع والتميز، الذي تأسس عام 2016 ويتبع للمجلس ويُعد ذراعه المالي في تمويل المشاريع الإبداعية والاستثمار فيها.
وتكشف نتائج التقريرين عن فجوة واضحة بين أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسستان وبين مستوى البناء المؤسسي والمالي والرقابي الذي وجده الديوان.
المجلس: ضعف في الأساس المالي والرقابي
من أبرز ما سجله الديوان أن المجلس لم يكن يعد ميزانيات ختامية أو قوائم مالية منذ تأسيسه، كما لم تكن حساباته تخضع لتدقيق من مدقق حسابات قانوني خارجي. وأشار التقرير إلى عدم صحة الأرصدة الافتتاحية لعام 2022 نتيجة عدم تسجيل جميع الحركات المحاسبية، وعدم مطابقة أرصدة البنوك الظاهرة في ميزان المراجعة، وعدم إغلاق السنوات المالية السابقة على البرنامج المحاسبي!
وتتسع المشكلة إلى الرقابة الداخلية. فالصلاحيات على البرنامج المحاسبي لم تكن مفصولة بصورة كافية، إذ كان للمحاسب والمدير المالي صلاحيات كاملة في الإدخال والترحيل. كما لم تكن التسويات البنكية تُجرى شهرياً، ولم تكن نماذج التسوية تُطبع وتوقع من المعد والمراجع، فيما بقيت عوالق بنكية من سنوات سابقة دون معالجة!
وسجل الديوان كذلك عدم اكتمال التسجيلات المحاسبية، ومنها حوالات للصندوق القومي بقيمة 190,352 دولاراً، ومنحة بقيمة 249,904 دولارات لتمويل مشروع مبنى الإبداع والتميز، رغم ظهورها في كشف بنكي، إلى جانب صرف مبالغ دون توفر الفواتير الأصلية المعززة!
والأكثر دلالة أن المجلس لا يملك وحدة أو موظفاً مختصاً بالرقابة الداخلية، ولا توجد لجنة من مجلس الإدارة مكلفة بهذه المهمة، رغم تعدد أنشطة المؤسسة!
الحوكمة ليست أقل أهمية من المحاسبة
لم تقتصر ملاحظات الديوان على الجانب المالي. فقد سجل عدم وجود أنظمة تحدد مواصفات وخبرات أعضاء مجلس الإدارة ، أو معايير تضمن استقلاليتهم، إلى جانب قصور المجلس في أداء بعض مسؤولياته، ومنها تنمية الموارد المالية، ووضع السياسات والإجراءات الداعمة للإبداع!
كما أشار إلى قصور وعدم كفاية القوانين والأنظمة المتوفرة، وغياب أدلة عمل مكتوبة لتنظيم الإدارات، وعدم وضع آليات متابعة وتقييم بمؤشرات قابلة للقياس لتطبيق الاستراتيجية الوطنية للإبداع!
وهنا تبرز مسألة جوهرية: المؤسسة التي تمارس دوراً وطنياً في دعم الإبداع تحتاج هي نفسها إلى نظام مؤسسي واضح يقيس نتائجها ويحاسبها على أدائها!
التمويل: أين تبدأ المعايير وأين ينتهي التفاوض؟
ربما تكمن إحدى أكثر الملاحظات حساسية في طريقة تقييم المشاريع واتخاذ قرارات التمويل. فقد وجد الديوان أن تقييم المشاريع بعد انتهاء الدعم لا يتم للتحقق من نجاحها أو فشلها واستخلاص الدروس، كما لا يوجد نموذج فني مفصل وموثق يحدد الجوانب الإبداعية ونسب النجاح والفشل!
ولم يتبين وجود رأي مالي موثق من مختصين، يبنى عليه قرار قبول أو رفض التمويل!، كما لم تقم دائرة التمويل واللجنة التابعة لها بدراسة المعطيات المالية قبل اتخاذ قرارات التمويل بالشكل الذي يضمن جودة القرار ويحد من المخاطر المالية!
والأكثر أهمية أن الديوان لم يجد معايير محددة وموثقة لتحديد قيمة الاستثمار وحصة الصندوق في الشركات!، إذ كان تحديد التمويل والحصة يتم استناداً إلى دراسة الجدوى، ثم من خلال التفاوض والاتفاق الشفهي بين المتقدم ولجنة التقييم المركزي، مع وجود تفاوت غير مبرر في نسب التمويل بين بعض الشركات!
هذه ليست مسألة إجرائية هامشية، فالمال العام أو الأموال المخصصة لتحقيق هدف وطني، لا ينبغي أن تعتمد قرارات تخصيصها على تفاوض شفهي دون معايير مكتوبة وقابلة للمراجعة.!
الصندوق: الذراع المالي أمام اختبار الشفافية
تتكرر بعض المخاطر بصورة أكثر وضوحاً في صندوق دعم الإبداع والتميز. فقد سجل الديوان عدم وجود تأكيدات كافية حول صحة وعدالة الاعتراف بقيمة استثمارات الصندوق وإيراداتها أو خسائرها، بسبب عدم الحصول على القوائم المالية للشركات المستثمر فيها، باستثناء شركة واحدة، وعدم قيام الصندوق بتدقيق حسابات تلك الشركات بنفسه أو من خلال شركة تدقيق مستقلة!
كما لم يلتزم الصندوق بإعداد موازنته السنوية، ولم يتبين وجود سياسات وأنظمة وخطط عمل وآليات لضبط وتنظيم الدعم والاستثمار، ولم تُقر معايير كافية لاختيار طلبات المشاريع. ولم يكن هناك دليل إجراءات مالي واضح يحدد شروط التمويل وآلياته والصرف والإثبات وتوزيع الصلاحيات!
وفي جانب الحوكمة، لاحظ الديوان وجود تضارب محتمل في الصلاحيات، نتيجة كون أعضاء مجلس إدارة الصندوق أنفسهم رؤساء لجان وأعضاء في مجلس إدارة المجلس الأعلى للإبداع والتميز. كما لا يوجد للصندوق هيكل تنظيمي أو كادر وظيفي مخصص، الأمر الذي جعله يعتمد على موظفي ولجان المجلس!
الاستثمار: المال لا يكفي، والمتابعة هي الأساس
أظهرت الملاحظات أيضاً أن الصندوق لم يكن يتبع بصورة كاملة الإجراءات الخاصة بتتبع صرف الدعم، وأنه تكبد خسارة في الاستثمار في إحدى الشركات الناشئة نتيجة تعثرها!، كما وجد الديوان عدم تطابق بين قيمة بعض استثمارات الصندوق المعلنة في قوائمه المالية وما هو مسجل لدى وزارة الاقتصاد!.
وسجل كذلك وجود حالة أعلنت فيها إحدى الشركات رأس مال مدفوع أقل من المبلغ الذي دفعه الصندوق، بما يشير إلى مخاطر تمس حقوق الصندوق، إضافة إلى أن العائد من استثمارات الصندوق في عشر شركات خلال الفترة 2020–2022 لم يتناسب مع حجم وقيمة الاستثمار. كما لم تتوافر تقارير فنية ومالية لتقييم مساهمة عينية في إحدى الشركات، مع وجود مخاطر أشار إليها الديوان تتعلق بعقود من الباطن قد تؤدي إلى تضخيم قيمة المساهمة.!
المطلوب: الانتقال من التصويب إلى بناء نظام مستدام
أبدت إدارة المجلس والصندوق استعدادها للعمل على تصويب الملاحظات الواردة في التقريرين. لكن أهمية هذه التقارير لا تكمن في معالجة كل ملاحظة منفردة فقط، بل في بناء منظومة تمنع تكرارها!
وقد أوصى الديوان بإعداد الأنظمة والأدلة والإجراءات، وتعيين مدقق حسابات قانوني خارجي للمجلس، وإعداد القوائم المالية سنوياً، وتعزيز استقلالية مجالس الإدارة، وإنشاء هيكل تنظيمي للصندوق، وإلزام الشركات المستثمر بها بتقديم قوائم مالية مدققة سنوياً، وتوثيق ملكية الصندوق وحصصه، ووضع معايير واضحة لاختيار المشاريع والشركات.
الإبداع يحتاج إلى بيئة حرة ومشجعة، لكنه يحتاج أيضاً إلى حوكمة صارمة. فكلما كانت المؤسسة تتعامل مع أموال مخصصة لدعم المبدعين، ازدادت الحاجة إلى معايير مكتوبة، وقرارات موثقة، وفصل واضح للصلاحيات، وتقييم مستقل للمخاطر والنتائج!.
والسؤال الأهم بعد صدور التقرير ليس فقط: ماذا وجد ديوان الرقابة؟ بل أيضاً: ماذا تغير بعد أن قال الديوان ما وجده؟
فهذه هي القيمة الحقيقية للرقابة: ألا تنتهي عند تسجيل الملاحظة، وإنما تتحول الملاحظة إلى إصلاح مؤسسي دائم، خصوصاً في مؤسسات يفترض أن تكون نموذجاً للتميز الذي تسعى إلى نشره في المجتمع!
شارك أو استشهد
زهدي شبيطه، «الإبداع والتميز تحت الرقابة»، 11 أكتوبر 2026، https://www.zuhdish.co/2026/10/blog-post_11.html
مكان هذا المقال في «الرقابة والمساءلة»
كل المقالات (221) ←المقال رقم 220 من 221 في هذا الموضوع، منذ 2022.