الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: هل المشكلة في المجتمع أم في بنية الاستعمار الاستيطاني؟
قراءة تحليلية في دراسة الباحثة أريج صباغ خوري: "تفكيك العنف المعرفي الاستعماري: الاستعمار الاستيطاني والعنف والجريمة داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل" لا تقتصر خطورة تصاعد الجريمة والعنف في المجتمع…
Englishاقرأ الترجمة الإنجليزية
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- 8 دقائق قراءة
- المشاهدات
- 20 مشاهدة

قراءة تحليلية في دراسة الباحثة أريج صباغ خوري: "تفكيك العنف المعرفي الاستعماري: الاستعمار الاستيطاني والعنف والجريمة داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل"
لا تقتصر خطورة تصاعد الجريمة والعنف في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل على أعداد الضحايا، واتساع دائرة الخوف وانعدام الأمان، بل تمتد إلى سؤال أعمق: كيف نفسر هذه الظاهرة؟ هل هي نتيجة خلل ثقافي أو اجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني، أم أنها ترتبط ببنية سياسية واقتصادية وتاريخية أوسع تسهم في إنتاج العنف واستمراره؟
هذا هو السؤال المحوري الذي تنطلق منه دراسة الباحثة أريج صباغ خوري، جامعة كاليفورنيا – بيركلي – الولايات المتحدة الامريكية... المنشورة في مجلة Sociology Compass، المجلد العشرون، عام 2026، تحت عنوان «تفكيك العنف المعرفي الاستعماري». ولا تكتفي الدراسة بتفسير الجريمة، بل تفحص أيضاً الكيفية التي تنتج بها الأطر الأكاديمية والسياسية المعرفة عنها، وما إذا كانت تكشف جذور الأزمة أم تحجب جانباً أساسياً منها!
من تصاعد الجريمة إلى سؤال بنية الحكم
يواجه الفلسطينيون داخل إسرائيل بصورة مستمرة.. أشكالاً متراكمة من العنف البنيوي، تشمل الإهمال السياسي والاقتصادي، والافقار...والتمييز المؤسسي، ومصادرة الأراضي، والتهميش، والتفاوت في الخدمات والحماية. وفي هذا السياق، تصاعدت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين جرائم القتل والعنف المسلح والجريمة المنظمة، إلى جانب العنف الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما فيه قتل النساء!
وتبرز الأرقام التي تستشهد بها الدراسة حجم الاختلال في توزيع ضحايا جرائم القتل: فعلى الرغم من أن الفلسطينيين يشكلون نحو خُمس سكان إسرائيل، فقد بلغت نسبتهم من الضحايا 78% عام 2023، و80% عام 2024، و81.3% عام 2025!
وتشير الدراسة إلى أن معدلات القتل بين اليهود الإسرائيليين، كانت أعلى خلال الفترة الممتدة من عام 1980 إلى عام 1997، ثم أخذت في الانخفاض. وبحلول نحو عام 2010، تقاربت الأعداد المطلقة لضحايا القتل في المجتمعين، رغم أن الفلسطينيين لم يكونوا يشكلون سوى نحو 18% من السكان آنذاك. لكن هذا الوضع انهار ابتداءً من عام 2021، حين ارتفعت معدلات القتل بين الفلسطينيين، متجاوزة نظيرتها في المجتمع اليهودي الإسرائيلي!
ولا تتعامل الباحثة مع هذه الأرقام بوصفها مؤشرات إحصائية معزولة، بل تدعو إلى قراءتها في ضوء الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية التي تشكل حياة الفلسطينيين، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، والتفاوت في الحماية الأمنية والاستجابة المؤسسية للعنف!.
ثلاثة نماذج لتفسير الجريمة
تعرض الدراسة ثلاثة نماذج رئيسية لتفسير العنف والجريمة داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، تختلف في تحديد أسباب الظاهرة وموقع المسؤولية عنها.
أولاً: النموذج الثقافي أو المرضي.
يربط هذا النموذج الجريمة بخصائص يُفترض أنها متأصلة في الثقافة العربية، مثل البنى الأبوية والعشائرية وطرق حل النزاعات. وقد فسرت بعض الدراسات العنف باعتباره نتيجة للتحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، أو انعكاساً لاختلالات ثقافية واجتماعية داخلية!
وتنتقد الباحثة صباغ خوري هذا التفسير لأنه ينقل مركز المسؤولية من البنى السياسية والمؤسسية إلى المجتمع نفسه، ويتعامل مع الثقافة باعتبارها خاصية ثابتة تفسر السلوك، متجاهلاً اختلاف الظروف التاريخية والاقتصادية والسياسية. كما أنه لا يفسر، بمفرده، تفاوت معدلات العنف بين مجتمعات عربية وفلسطينية تعيش في سياقات مختلفة!
ثانياً: نموذج الأقلية الإثنية أو النموذج الليبرالي.
ينقل هذا النموذج التحليل من الثقافة إلى التمييز والتهميش وعدم المساواة، ويربط الجريمة بضعف الاستثمار العام، والحرمان الاقتصادي، والتمييز المؤسسي، وانعدام الثقة بالشرطة، وانخفاض معدلات كشف جرائم القتل وحلها!
ويمثل هذا التحول تقدماً على التفسيرات الثقافية الاختزالية، لأنه يسلط الضوء على مسؤولية المؤسسات والظروف الاجتماعية المحيطة بالجريمة. لكن الباحثة ترى أن النموذج يظل محدوداً عندما يكتفي بالمطالبة بإصلاح أداء الدولة وتحسين السياسات العامة، دون مساءلة البنية السياسية التي تنتج، وفق تحليلها، التفاوت في الحقوق والأمن والحماية!
كما أن اختزال الجريمة في الفقر لا يكفي لتفسير استمرارها في ظل تحسن الأوضاع الاقتصادية لبعض الفلسطينيين؛ فقد يمتلك الفرد مشروعاً تجارياً ناجحاً، لكنه يظل معرضاً للابتزاز إذا غابت الحماية المؤسسية الفعالة!
ثالثاً: نموذج الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري.
هذا هو الإطار الذي تدافع عنه الدراسة، فبدلا من النظر الى العنف باعتباره خللا داخل المجتمع الفلسطيني، تدعو إلى فهم الجريمة ضمن سياق تاريخي وسياسي أوسع يشمل نكبة عام 1948، ونزع الملكية، ومصادرة الأراضي، والتمييز المؤسسي، والتفاوت في الخدمات والحماية، وطبيعة تعامل الشرطة مع المواطنين الفلسطينيين!
وفي هذا المنظور، لا يُنظر إلى العنف باعتباره مجرد خلل داخل المجتمع، بل بوصفه ظاهرة ينبغي فحصها في علاقتها ببنية الحكم والسياسات التي تشكل البيئة التي تنتشر فيها الجريمة!
وتستخدم الباحثة مفهوم "التخلّي الاستعماري المنظّم" لوصف ما تعتبره نمطاً من الحكم تتراجع فيه الحماية الفعلية للفلسطينيين من الجريمة، بينما يستمر حضور الأجهزة الأمنية بقوة في مراقبة النشاط السياسي وملاحقته!
الشرطة والسلاح والتفاوت في الحماية
تمنح الدراسة دور الشرطة، وانتشار الأسلحة، وأزمة الثقة بالمؤسسات، مكانة أساسية في تفسير تصاعد العنف. فضعف إنفاذ القانون، وانخفاض معدلات حل الجرائم، وانتشار السلاح، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات، ليست عوامل منفصلة في هذا التحليل!
وتذهب الباحثة إلى أن التفاوت في الحماية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قصوراً إدارياً فحسب، بل يجب فحصه في ضوء البنية السياسية التي تحكم العلاقة بين الدولة والمواطنين الفلسطينيين!.
وهنا تبرز إحدى أهم أفكار الدراسة: السؤال ليس فقط عن كفاءة الشرطة، بل أيضاً عن كيفية توزيع الأمن والحماية، ومدى تمتع المواطنين الفلسطينيين بالمستوى نفسه من الاهتمام المؤسسي الذي يحظى به غيرهم!
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء التناقض بين تحسن الأوضاع الاقتصادية لبعض الفلسطينيين واستمرار انعدام الأمن. فارتفاع الدخول واتساع الفئات المهنية والطبقة الوسطى لا يضمنان حماية الممتلكات والمشروعات من الابتزاز والعنف. ومن ثم، لا تكفي التنمية الاقتصادية وحدها لمكافحة الجريمة، كما لا تكفي الحلول الأمنية المنفصلة عن معالجة التمييز والحرمان وضعف المؤسسات.
المجتمع الفلسطيني ليس متلقياً سلبياً
لا تقدم الدراسة المجتمع الفلسطيني باعتباره عاجزاً عن مواجهة الجريمة، بل تتناول المبادرات الشعبية واللجان المحلية والاحتجاجات، إلى جانب جهود المنظمات النسوية والحقوقية والمراكز البحثية والصحافة الاستقصائية في توثيق الظاهرة وتحليلها.
وتكشف هذه التجارب أن المجتمع ينتج معرفة من خبرته المباشرة، ولا يكتفي بالتفسيرات الرسمية والأكاديمية. كما يمكن للمبادرات المحلية أن تسهم في الوقاية والوساطة وإعادة دمج الأفراد، وأن تتيح حلولاً تنطلق من احتياجات المجتمع نفسه.
وتولي الباحثة اهتماماً خاصاً للعنف ضد النساء الفلسطينيات. وهي تنتقد التفسيرات التي تختزله في الثقافة الأبوية، لأن ذلك قد يحجب مسؤولية المؤسسات عن توفير الحماية والتحقيق والمحاسبة. فمواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي تتطلب معالجة اجتماعية وقانونية، لكنها لا تعفي الدولة من مسؤولية حماية الضحايا وضمان تطبيق القانون!
كما تنتقد الدراسة بعض اتجاهات الحركة النسوية في السياق الإسرائيلي، التي ترى أنها همّشت تجارب النساء الفلسطينيات أو تناولتهن ضمن تصورات عامة، مع إغفال عنف الدولة والتهجير الاستعماري الاستيطاني!
الخطاب السياسي وحدود التفسير الثقافي
تشير الدراسة إلى أن حدود النموذج الثقافي باتت موضع تشكيك لدى باحثين إسرائيليين، أخذوا يؤكدون أهمية سياسات الدولة والتمييز المؤسسي والتهميش الاقتصادي في تفسير الجريمة. ومع ذلك، لا تزال التفسيرات الثقافية حاضرة في الخطاب العام والروايات الحكومية ووسائل الإعلام الإسرائيلية!.
وتستشهد الباحثة بتصريحات لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق جلعاد أردان، وصف فيها المجتمع العربي بأنه شديد العنف، وربط ذلك بثقافة النزاعات التي تنتهي باستخدام السكاكين والأسلحة. كما تنتقد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مشيرة إلى غياب إجراءات جوهرية خلال توليه المنصب لمعالجة تصاعد الجريمة في المجتمع الفلسطيني.!
ووفقاً للأرقام التي أوردتها الدراسة، قُتل نحو 1,469 مواطناً فلسطينياً داخل إسرائيل بين عام 2015 و20 شباط/فبراير 2026، ووقعت 785 حالة، أي نحو 53% من الإجمالي، منذ تولي بن غفير والحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة. كذلك قُتل 587 مواطناً فلسطينياً بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 و20 شباط/فبراير 2026، أي نحو 40% من إجمالي القتلى منذ عام 2015!
وتعرض الدراسة هذه الأرقام في سياق تصاعد الجريمة خلال تلك الفترة، لتؤكد ضرورة فحص العلاقة بين السياسات الحكومية والتفاوت في الحماية، بدلاً من الاكتفاء بإرجاع العنف إلى خصائص المجتمع وثقافته.!
لا أمن مستدام بلا مساءلة وحماية متساوية
تكمن القيمة الأساسية للدراسة في نقل النقاش من سؤال "لماذا يمارس المجتمع العنف؟" إلى سؤال أوسع: ما الظروف السياسية والمؤسسية والتاريخية التي تسمح للجريمة بالانتشار؟ وكيف تؤثر التفسيرات السائدة في إمكان فهم الظاهرة ومعالجتها؟ كما تلفت الانتباه الى خطورة التفسيرات التي تحمل المجتمع وحده مسؤولية أزماته ، لأنها قد تحجب دور المؤسسات والسياسات العامة، وتحول مشكلة سياسية واجتماعية مركبة الى عيب ثقافي مفترض!
لكن تبني هذا الإطار لا يعني إنكار العوامل الداخلية، أو إلغاء مسؤولية مرتكبي الجرائم، أو اعتبار كل أشكال العنف نتيجة مباشرة لسياسة واحدة..... فالتحليل المتكامل يقتضي التمييز بين مسؤولية الأفراد عن أفعالهم، ومسؤولية المؤسسات عن الوقاية والتحقيق والمحاسبة، وبين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قد تهيئ الظروف لانتشار الجريمة!
وتدعو الدراسة، في جوهرها، إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن نفسه. فالأمن ليس مجرد حضور الأجهزة الشرطية، بل قدرة المواطنين على العيش والعمل والتنقل دون خوف، وثقتهم بأن القانون سيحميهم، وأن الجرائم ستخضع للتحقيق والمحاسبة، وأن الحقوق والحماية ليست امتيازاً يُمنح بصورة انتقائية!
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تطرحه الدراسة جديراً بنقاش فلسطيني جاد: هل تساعدنا التفسيرات السائدة على كشف جذور الأزمة ومعالجتها، أم أنها تحجب بعض هذه الجذور وتعيد إنتاج المشكلة؟
إن بناء مجتمع أكثر أمناً لا يبدأ بملاحقة المجرمين وحدها، رغم ضرورتها، بل يتطلب أيضاً فهم الظروف التي تسمح للجريمة بالتمدد، وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهتها، وبناء مؤسسات فاعلة وخاضعة للمساءلة، وضمان الحماية المتساوية للجميع. فالمساءلة عن الجريمة لا تتعارض مع مساءلة المؤسسات، بل إن كليهما شرط أساسي لتحقيق أمن مستدام وعدالة حقيقية!
شارك أو استشهد
زهدي شبيطه، «الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: هل المشكلة في المجتمع أم في بنية الاستعمار الاستيطاني؟»، 18 أكتوبر 2026، https://www.zuhdish.co/a/2026-10-18-8anb1
مكان هذا المقال في «الرقابة والمساءلة»
كل المقالات (221) ←المقال رقم 221 من 221 في هذا الموضوع، منذ 2022.