من يراقب عدالة توزيع المنح الدراسية؟


 

 


المنحة الدراسية،  ليست مجرد مقعد جامعي ممول، بل فرصة قد تغيّر مستقبل طالب وأسرة بأكملها. ولذلك فإن إدارة المنح الدراسية لا تتعلق فقط باستقبال الطلبات،  وتوزيع المقاعد، وإنما بمنظومة متكاملة يفترض أن تقوم على التخطيط المسبق، والشفافية، وتكافؤ الفرص، ودقة البيانات، والعدالة في التوزيع، والمتابعة حتى تخرج الطالب! فكلما كانت معايير الاختيار واضحة،  ومعلنة،  وموثقة، ازدادت قدرة المؤسسة على إثبات عدالة قراراتها وتعزيز ثقة الطلبة بها!

هل نحن واثقون من شفافية توزيع المنح الدراسية المقدمة للطلبة الفلسطينيين ، من دول في الخارج ؟ ومنح في داخل البلد، هل تقوم السفارات الفلسطينية المنتشره في كافة بقاع العالم،  بنشاط حثيث،  للحصول على بعثات للطلبة الفلسطينيين في الوطن والشتات؟ هل تمثل وزارة التعليم العالي في فلسطين..الجهة الوحيدة للأشراف  على كافة  الاجراءات لتوزيع البعثات الدراسية ومتابعة المبعوثين..؟ هل نحن مطمئنون الى عدم وجود  استثناءات في منح بعض الطلبة،  ممن لا  تنطبق عليهم شروط ومعايير  مثل هذه المنح الى الخارج ؟

أسئلة كثيرة يتم طرحها في هذا المجال! ....وفي ملف حساس كالمنح الدراسية، قام ديوان الرقابة المالية والادارية في تقريره السنوي العام لسنة  2025 ، بكشف ثغرات في التخطيط والشفافية والمتابعة،   وإدارة المنح..من خلال تقرير تدقيق امتثال قام به، على أعمال الادارة العامة للمنح والخدمات الطلابية،  في وزارة التعليم العالي للعام الدراسي 2023/2024.!

ولكن التقرير يشير ، في المقابل، إلى عدد من الممارسات الإيجابية، من بينها سعي الوزارة إلى تسهيل تقديم الطلبات، وزيادة مراكز الاستلام،  أو استخدام المنصات الإلكترونية، والتشبيك مع الدول المانحة، ومتابعة شؤون الطلبة الدارسين في الخارج، والإشراف على مكاتب الخدمات الطلابية، وتنفيذ إجراءات منح أبناء الشهداء بالتنسيق مع الجهات المختصة!

لكن هذه الممارسات لا تلغي جملة من الملاحظات الجوهرية التي تمس صميم إدارة المنح، موضحا أهمها كما يلي:

أولاً: غياب التخطيط السنوي

من أبرز ما سجله الديوان،  أن الإدارة العامة للمنح،  لا تلتزم بإعداد وإصدار تقرير سنوي يعكس إنجازاتها، كما لا توجد لديها خطة سنوية واضحة للمنح الدراسية الدورية والمتكررة، ولا آليات وأدوات محددة للحصول على المنح المطلوبة!

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة، لأن إدارة المنح لا ينبغي أن تكون مجرد استجابة للفرص التي تصل من الدول المانحة، بل يفترض أن تقوم على التخطيط الاستباقي،  وتحديد الاحتياجات والأولويات، ومحاولة توجيه المنح نحو التخصصات والفئات التي يحتاج إليها المجتمع الفلسطيني.!

كما أشار التقرير إلى ارتفاع نسبة المنح المخصصة لطلبة الفرع العلمي ، مقارنة بالفروع الأخرى، وإلى انخفاض عدد الدول المقدمة للمنح مقارنة بعدد السفارات والممثليات الفلسطينية في الخارج، وهو ما يفتح المجال للتساؤل حول مدى الاستفادة الكاملة من شبكة العلاقات الخارجية ، للحصول على فرص تعليمية أوسع وأكثر تنوعاً!

ثانياً: النظام الإلكتروني يحتاج إلى إعادة بناء

يكشف التقرير عن ثغرات في النظام الإلكتروني للمنح، من بينها ضعف قدرته على دعم التقارير والبيانات، وغياب محددات الترشيد الأكاديمي،  وضوابط الاستخدام، إضافة إلى قصور في متابعة الطلبة!

والأكثر إثارة للاهتمام،  هو تسجيل أكثر من رقم ملف لبعض المتقدمين، وتكرار أسماء بعض الطلبة على المنحة نفسها، وقبول النظام لأكثر من علامة للثانوية العامة للطلب نفسه،  مع اختلاف رقم المرجع، بما أتاح إمكانية التقدم لأكثر من منحة في الوقت نفسه!

ثالثاً: الإعلان عن المنح وتكافؤ الفرص

من أبرز القضايا التي تناولها التقرير،  عدم إعلان الوزارة عن العدد المحدد والمطلوب،  لبعض المنح خلال العام الدراسي 2023/2024، ومن أمثلتها منح تونس وموريتانيا وبولندا والجزائر والصين والمغرب وغيرها.

كما سجل الديوان وجود منح لم يتم الاستفادة منها نتيجة ضيق الفترة الزمنية بين تبليغ الوزارة بالمنحة والإعلان عنها، ما أدى إلى فقدان عدد من المقاعد الدراسية!

وهنا تصبح سرعة وصول المعلومة إلى الطالب،  جزءاً من العدالة نفسها. فالمنحة التي تصل متأخرة، أو تعلن في فترة زمنية ضيقة، قد تتحول عملياً إلى فرصة لا يستطيع جميع الطلبة الوصول إليها على قدم المساواة!

كما أشار التقرير إلى عدم الالتزام بالنسب المحددة في توزيع المنح بين طلبة فلسطين في الداخل ، وطلبة الشتات، وإلى غياب دور الوزارة في متابعة المنح التي تنفذ مباشرة من الدول المانحة!

رابعاً: المتابعة لا تنتهي عند الحصول على المنحة

الحصول على المنحة هو بداية المسؤولية وليس نهايتها!.. لكن الديوان سجل أن الإدارة العامة للمنح،  لا تتخذ الإجراءات اللازمة لمتابعة التحصيل العلمي للطلبة الحاصلين على منح خارجية حتى تخرجهم، ولا يوجد نظام منتظم لتوثيق معلوماتهم الأكاديمية ، بالتنسيق مع السفارات،  والجهات ذات العلاقة!

كما لم يتم إعداد قوائم دورية بالطلبة المتوقع تخرجهم، ولم تكن هناك تقارير منتظمة حول المستفيدين من المنح تقدم للجنة البعثات!

والأهم أن التقرير أشار إلى عدم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق عدد من الطلبة الذين قبلوا منحاً خارجية،  ثم استنكفوا عن الالتحاق بها، رغم توقيعهم على كفالات عدلية ووجود كفلاء ضامنين!

وهذا يطرح مسألة مزدوجة: حماية المال العام من جهة، وضمان العدالة بين الطلبة من جهة أخرى؛ إذ إن المقعد الذي لا يستفيد منه صاحبه،  قد يحرم طالباً آخر من فرصة تعليمية ثمينة!

خامساً: مكاتب الخدمات الطلابية بحاجة إلى إطار رقابي أوضح

سجل الديوان،  ضعف الالتزام بالإطار القانوني المنظم لعمل مكاتب الخدمات الجامعية،  وتحديد الرسوم المترتبة عليها، وغياب دراسة لاحتياجات المحافظات عند الترخيص لهذه المكاتب!

كما أشار إلى ضعف الدور الرقابي لدائرة الخدمات الطلابية،  في التأكد من التزام المكاتب المرخصة بالأنظمة والتعليمات وإعداد تقارير الزيارات الميدانية!

سادساً: منح أبناء وزوجات الشهداء

لم يغفل التقرير هذا الملف ذي الحساسية الاجتماعية، حيث أشار إلى عدم قيام مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى ، بالإعلان عن المنحة سنوياً،  لإتاحة الفرصة لجميع من تنطبق عليهم الشروط!

كما سجل غياب دليل إجراءات رسمي،  يوضح خطوات التقديم،  والنماذج،  والإرشادات ، وآليات متابعة الطلبة المستفيدين!

سابعاً: منح منظمة التحرير،  وسؤال معايير الاختيار

من أكثر الملاحظات دلالة في التقرير،  أن نسبة استفادة طلبة الضفة الغربية،  وقطاع غزة ، من منح البكالوريوس في الجامعات الأردنية للعام الأكاديمي 2023/2024 بلغت 11% فقط!، بينما تم تحويل الجزء الأكبر من المقاعد الدراسية إلى دائرة التعليم العالي في منظمة التحرير الفلسطينية!

كما لم يتبين للديوان،  وجود لجنة فرز معتمدة للنظر في طلبات المتقدمين، أو محاضر جلسات، أو دليل إجراءات يوضح أسس ومعايير اختيار المستفيدين!

كذلك اقتصرت سياسة الإعلان عن هذه المنح على الموقع الإلكتروني، دون قنوات اتصال بديلة تضمن وصول المعلومات إلى جميع الطلبة الفلسطينيين في الداخل والخارج!

من الرقابة إلى الإصلاح

لا يكتفي تقرير الديوان بتسجيل الملاحظات، بل يقدم مجموعة واسعة من التوصيات، أبرزها تطوير النظام الإلكتروني وقاعدة البيانات، والإعلان الواضح عن عدد المقاعد المتاحة، وتسريع وصول معلومات المنح، وتعزيز التنسيق مع وزارة الخارجية والسفارات، وتطبيق ترتيب موحد للمتقدمين على مستوى الوطن، وتطوير نظام شامل لمتابعة الطلبة في الخارج!

كما أوصى باتخاذ الإجراءات القانونية بحق المستنكفين عن المنح،  وتفعيل الكفالات العدلية، وتنظيم عمل مكاتب الخدمات الجامعية، وتفعيل الزيارات الميدانية، وإنشاء قاعدة بيانات للمستفيدين من منح أبناء وزوجات الشهداء، وتعزيز التنسيق بين الوزارة ودائرة التعليم العالي في منظمة التحرير، وإعداد دليل إجراءات واضح يحدد الأدوار والمسؤوليات ومعايير الاختيار!

ومن المهم الإشارة إلى أن وزارة التربية والتعليم العالي،  ردت على التقرير ضمن المدة القانونية، وكان ردها إيجابياً، وأفادت بأنها ستأخذ بالتوصيات، وهنا نقول أن الرقابة  تكشف الخلل، أما الإصلاح فيبدأ عندما تتحول التوصيات إلى إجراءات، والإجراءات إلى أنظمة، والأنظمة إلى ممارسة مؤسسية مستمرة!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

لجان الزكاة في الضفة الغربية 2025 ، بين الثقة الاجتماعية، وفجوات الحوكمة!