غزة تُغلق والضفة تُجزّأ


 


كيف يعيد الاستعمار الاستيطاني تشكيل المكان والمستقبل الفلسطيني؟

قراءة فلسطينية في دراسة أكاديمية حديثة

غزة تُغلق، والضفة الغربية تُجزّأ. في الظاهر، يبدو أننا أمام مسارين مختلفين: حرب وحصار ودمار ونزوح في غزة، واستيطان ومصادرة أراضٍ وحواجز وتقييد للحركة في الضفة الغربية.

لكن دراسة حديثة للباحثين نيك هاينك وليفون تر-غازاريان، بعنوان «الانثناءات الزمانية–المكانية في غزة والضفة الغربية: وجهات نظر فلسطينية حول منطق الاستعمار الاستيطاني»، تقدم قراءة مختلفة. فالدراسة ترى أن اختلاف أدوات السيطرة لا يعني اختلاف بنيتها الأساسية؛ إذ تشكل غزة والضفة فضاءين داخل تشكيل استعماري استيطاني واحد.

الطية المكانية–الزمانية: حين تصبح السيطرة جزءًا من الحياة اليومية

تستخدم الدراسة مفهوم " الطية المكانية–الزمانية    (Spatial–temporal fold)" ،  المستمد من مفهوم الطية عند الفيلسوف جيل دولوز، والمعاد صياغته من خلال الأدبيات الفلسطينية،  ودراسات إنهاء الاستعمار.

ولا تشير الطية إلى شكل هندسي فحسب، بل إلى الطريقة التي تتداخل فيها الجغرافيا مع الزمن والسياسة والحياة اليومية. فالسيطرة على الأرض لا تتوقف عند حدودها المادية، وإنما تمتد إلى الحركة والعمل والسكن والتعليم والبنية التحتية والاقتصاد وإمكانات المستقبل.

ويقترح الباحثان أربعة أبعاد مترابطة لهذه الطية: الإغلاق المادي للمكان، وتنظيم القوة والصراع الاجتماعي، وإنتاج المعرفة والحقيقة، وتأثير "الخارج" في تحديد النتائج المكانية والسياسية.

وبذلك، يصبح الماضي والمستقبل جزءًا من الصراع على الحاضر. فالذاكرة،  واللغة،  والعائلة،  والأرض،  تحفظ استمرارية فلسطينية تاريخية، في حين يعمل المشروع الاستيطاني،  على إعادة صياغة المستقبل عبر التخطيط والتغيير القانوني والديموغرافي!

غزة: طية شبه مغلقة!

تصف الدراسة غزة بأنها "طية شبه مغلقة" ، فوفق تحليل الباحثين، لم يؤدِّ الانسحاب الإسرائيلي من المستوطنات عام 2005 إلى استقلال فلسطيني فعلي، بل أعاد تنظيم السيطرة من خلال الحصار والمراقبة عن بُعد والتحكم في الدخول والخروج والمساعدات وإعادة الإعمار، إلى جانب جولات العنف العسكري المتكررة.

وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ازداد انغلاق هذه الطية بفعل القصف والتهجير واسع النطاق وتدمير المنازل والبنية التحتية والمدارس، وتفكك الحياة الأسرية والاجتماعية، والاعتماد المتزايد على المساعدات.

لكن السؤال الأخطر لا يتعلق بالدمار وحده، بل بمستقبل إعادة البناء: من يقرر ما يُعاد بناؤه؟ من يمول؟ من يحدد شروط الأمن والحدود والإعمار؟ ومن يملك القرار السياسي؟

هنا تطرح الدراسة مفهوم " الحوكمة الشبيهة بالوصاية (Trusteeship-like governance)" ، حيث يمكن أن يتولى الفلسطينيون إدارة الخدمات، بينما تبقى القرارات الأساسية المتعلقة بالأمن،  والحدود ، والتمويل ، ومستقبل الحكم،  في أيدي أطراف خارجية!

وهذه نقطة جوهرية: إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تتحول إلى إدارة للخدمات والسكان، بينما تبقى السيادة والحقوق السياسية معلقة!

فالإعمار ليس إسمنتًا وتمويلًا وبنية تحتية فقط؛ بل هو أيضًا سؤال عن السلطة والقرار ومستقبل الشعب الفلسطيني!

الضفة الغربية: طية قابلة للنفاذ بشكل غير متكافئ!

أما الضفة الغربية، فتختلف في شكل السيطرة، لكنها لا تنفصل عن البنية نفسها. يصفها الباحثان بأنها "طية قابلة للنفاذ بشكل غير متكافئ، لكنها تزداد انغلاقًا" . فالمستوطنون والفلسطينيون يعيشون في المجال الجغرافي نفسه، لكنهم لا يتحركون فيه بالشروط ذاتها!

يتمتع المستوطنون ، بإمكانية حركة أوسع،  وحماية قانونية،  ومؤسساتية، بينما يواجه الفلسطينيون شبكة من الحواجز،  والقيود،  والقوانين العسكرية،  ومصادرة الأراضي،  والعنف الاستيطاني!

وتستخدم الدراسة صورة "المنحنى"  للتعبير عن هذا الواقع: مساحة واحدة ظاهريًا، لكنها منظمة داخليًا وفق مستويات مختلفة من الحقوق والحركة والسلطة!

وهكذا تصبح المستوطنات،  والطرق الالتفافية،  والحواجز ، والبؤر الاستيطانية،  والتصنيفات القانونية،  أدوات لإعادة تشكيل المجال الفلسطيني تدريجيًا!

الضم عبر التنظيم: تغيير الخريطة دون إعلان شامل!

من المفاهيم المهمة التي تطرحها الدراسة «الضم عبر التنظيم» (Annexation-by-regulation).

والمقصود أن الضم لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان قانوني شامل؛ فقد يتحقق تدريجيًا من خلال تغيير القوانين والإجراءات والوقائع المكانية، بحيث تصبح السيطرة الإسرائيلية أكثر رسوخًا، بينما تتراجع إمكانية قيام مجال فلسطيني متصل وقابل للحياة.

وهذا يعني أن الخطر لا يكمن فقط في مصادرة أرض جديدة، بل أيضًا في تراكم إجراءات تبدو منفصلة، لكنها تعيد تشكيل الخريطة والحقوق وإمكانات الحركة والاستقرار.

غزة والضفة: اختلاف الأدوات ووحدة البنية!

تتمثل الخلاصة الأبرز للدراسة في أن غزة والضفة الغربية ليستا أزمتين منفصلتين:  في غزة، يجري الضغط على الفلسطينيين داخل مساحة محاصرة ومدمرة، تعتمد بصورة متزايدة على المساعدات الخارجية. وفي الضفة، يجري توزيع الفلسطينيين على أجزاء منفصلة، مع توسيع المجال المتاح للمستوطنين وتقييد الحركة الفلسطينية!

إنها تقنيتان مكانيتان مختلفتان: الإغلاق في غزة، والتفتيت،  وإعادة تشكيل المجال في الضفة الغربية. لكن النتيجة، وفق تحليل الباحثين، متكاملة: إعادة تنظيم المجال الفلسطيني بحيث تصبح السيطرة على الأرض والسكان والموارد والحركة والمستقبل جزءًا من واقع الحياة اليومية!

ولهذا، تحذر الدراسة من التعامل مع غزة والضفة كعالمين منفصلين. فالتجزئة الجغرافية لا تلغي وحدة الذاكرة والعائلة والهوية والتجربة السياسية.

الصراع لا يجري على الأرض وحدها!

تتجاوز الدراسة الجغرافيا المادية إلى مستوى آخر هو إنتاج المعرفة والحقيقة. فالاستعمار الاستيطاني، وفق هذا التحليل، لا يعيد تشكيل الأرض فقط؛ بل يحاول أيضًا تحديد الرواية التي تفسر الأرض والتاريخ والمستقبل!

ومن هنا ينتقد الباحثان السرديات التي قد تقدم الإغلاق باعتباره سلامًا، والضم باعتباره تخطيطًا، والوصاية باعتبارها إعادة إعمار!

وفي المقابل، تحافظ الذاكرة الفلسطينية واللغة والعائلة والتاريخ والارتباط بالأرض ، على استمرارية تتحدى محاولة تفكيك المكان الفلسطيني!

وهنا يصبح الزمن نفسه ساحة للصراع: ليس فقط ما يحدث اليوم، وإنما من يملك القدرة على تحديد ما يمكن أن يحدث غدًا! فالسيطرة على المستقبل قد تكون، في بعض الحالات، أعمق من السيطرة على الحاضر!

من الطية إلى سؤال المستقبل الفلسطيني!

لا تقدم الدراسة مفهوم الطية باعتباره نهاية حتمية، بل تفتح المجال أمام مسارات محتملة تتراوح بين الإبادة،  والإقصاء،  واستمرار الإغلاق،  أو إعادة الفتح!

ومن هذا المنظور، فإن مقاومة الإغلاق الكامل لا تعني فقط فتح معبر أو تخفيف حصار، بل تتطلب عملية سياسيةن  ومادية،  ومعرفية،  في آن واحد!

ويبرز في هذا السياق عدد من الاتجاهات: إعادة وصل غزة والضفة الغربية سياسيًا ومكانيًا، ورفض إعادة الإعمار التي تفصل الخدمات عن السيادة،  والتعامل مع التوسع الاستيطاني والبؤر الاستيطانية والحواجز باعتبارها أدوات للضم التدريجي، وحماية البنية التحتية الضرورية للحياة، دون اختزال القضية الفلسطينية في إدارة إنسانية للأزمة. وإبقاء البقاء الفلسطيني مرتبطًا بالسيادة، وإعادة الإعمار مرتبطًا بالحقوق السياسية، والمستقبل مرتبطًا بحق تقرير المصير!

الخلاصة: من يقرر مستقبل فلسطين؟

تقدم دراسة هاينك وتر-غازاريان إطارًا مهمًا لفهم ما يجري في فلسطين. فغزة والضفة الغربية ليستا عالمين منفصلين، بل طيتان مختلفتان داخل تشكيل استعماري استيطاني واحد.

غزة تمثل الشكل الأكثر انغلاقًا: حصار، تدمير، تهجير، اعتماد على المساعدات، وتحكم خارجي متزايد في شروط إعادة الإعمار.

والضفة تمثل شكلًا آخر: مساحة أكثر انفتاحًا ظاهريًا، لكنها تتعرض بصورة متزايدة للتجزئة والاستيطان والحواجز والعنف والتغيير القانوني الذي يرسخ الضم تدريجيًا.

والأهم أن الدراسة، كما يعرضها الباحثان، لا تتعامل مع فلسطين باعتبارها مجرد تطبيق لنظرية غربية؛ بل ترى أن المعرفة الفلسطينية وتجربة الفلسطينيين يجب أن تكونا في مركز فهم الواقع!

إن ما يبدو سياسات مختلفة ــ حصار غزة وتدميرها وإدارة إعادة إعمارها من الخارج، والاستيطان والضم التدريجي في الضفة ــ يمكن قراءته كأشكال متمايزة من عملية واحدة:

إعادة تنظيم المكان الفلسطيني بحيث يصبح الوجود الفلسطيني أكثر تجزؤًا، وحركته أكثر تقييدًا، ومستقبله السياسي أكثر خضوعًا لقوى خارجية!

وفي المقابل، فإن إبقاء غزة والضفة ضمن إطار فلسطيني واحد، وربط البقاء بالسيادة، وإعادة الإعمار بالحقوق السياسية، يمثل في منطق الدراسة شكلًا من أشكال " إعادة فتح الطية"!

فالمعركة ليست فقط ضد السيطرة على الأرض، وإنما ضد تحويل الإجراءات المؤقتة إلى حقائق استعمارية دائمة!

والسؤال الأعمق الذي تطرحه الدراسة ليس: كيف يمكن إدارة غزة أو الضفة الغربية كلٌّ على حدة؟ بل: كيف يمكن منع اكتمال الطية الاستعمارية التي تفصل الفلسطينيين مكانيًا وزمنيًا وسياسيًا، وإعادة فتح المجال أمام وحدة جغرافية وسياسية تحفظ الوجود الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره؟

·         المصدر: نيك هاينك وليفون تر-غازاريان، «الانثناءات الزمانية–المكانية في غزة والضفة الغربية: وجهات نظر فلسطينية حول منطق الاستعمار الاستيطاني»، Territory, Politics, Governance، نُشرت إلكترونيًا في 28 أغسطس/آب 2026. المقال مبني على النص العربي المترجم للدراسة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

لجان الزكاة في الضفة الغربية 2025 ، بين الثقة الاجتماعية، وفجوات الحوكمة!