عشر سنوات من تقارير ديوان الرقابة عن مواسم الحج السنوية : ملاحظات تتكرر… وتصويب لا يكتمل!


 


ماذا تغيّر فعلاً؟

ليست القضية في أن يسجل ديوان الرقابة المالية والإدارية ملاحظات على موسم حج معين، فهذه هي وظيفة الرقابة. القضية الأكثر أهمية هي: ماذا يحدث لهذه الملاحظات بعد تسجيلها؟ وهل تتحول توصيات الديوان،  وتعهدات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية إلى إجراءات فعلية تمنع تكرارها في المواسم التالية؟

هذه الأسئلة دفعتني إلى مراجعة تقارير ديوان الرقابة المتعلقة بمواسم الحج على مدى عشر سنوات، من التقارير الصادرة ابتداءً من عام 2016 وحتى تقرير عام 2025، مع استثناء عام 2021 الذي لم يشهد موسماً للحج بالترتيبات المعتادة بسبب جائحة كورونا.

والنتيجة التي تبرز من هذه المراجعة تستحق التوقف: عدداً من الملاحظات الجوهرية التي سجلها الديوان في مواسم سابقة ظل يتكرر، بصورة مباشرة أو في صور متقاربة، في مواسم لاحقة، رغم ردود الوزارة ، وتعهداتها المتكررة بمعالجة الملاحظات وتصويب الأوضاع!

بل إن تقرير الديوان لعام 2018 يقدم مثالاً بالغ الدلالة؛ إذ أشار الديوان، في تعليقه على رد الوزارة، إلى أن الردود تضمنت تبريرات غير مقنعة، وأن الملاحظات الواردة كانت ملاحظات متكررة من المواسم السابقة ولم تقم الوزارة بمعالجتها وتصحيحها، الأمر الذي دفع الديوان إلى إحالة التقرير إلى مجلس الوزراء للإحاطة!

وبعد سنوات، تظهر في تقارير موسم 2025 ملاحظات تؤكد أن مشكلة التصويب المؤسسي لم تُحسم بصورة كاملة!

ففي الجانب المالي، استمرت ملاحظات تتعلق بغياب موازنة مستقلة وحساب ختامي منفصل لموسم الحج، والذمم المالية، والسلف، وتسوية الأمانات، وضبط الصرف. وفي موسم 2024 وحده أشار الديوان إلى أمانات تقارب 4.7 مليون دينار مرتبطة برسوم تسجيل الحج للأعوام 1444–1446هـ دون تسوية أو صرف، إضافة إلى مبالغ وذمم أخرى تحتاج إلى معالجة!

وفي إدارة الحجاج، سجل الديوان في 2025 ملاحظات تتعلق بعدالة وشفافية توزيع بعض الحصص، وعدم وضوح معايير اختيار بعض الحجاج، وتأخر إجراء القرعة إلى ما بعد استئجار الفنادق والحافلات، فضلاً عن عدم استغلال كامل الحصة المخصصة للبعثات الرسمية.

وفي السكن والنقل، برزت مشكلات التخطيط والتعاقد المبكر وقواعد البيانات، إلى جانب ملاحظات تتعلق بالتحقق من صفة الإداريين واستخدام بعض التأشيرات بطريقة لا تتفق مع الغاية المخصصة لها.

أما البعثات المرافقة، فقد أظهرت التقارير حاجة إلى مزيد من التنسيق بين الجهات المختلفة، خصوصاً في المجال الصحي والأمني والإرشادي، وتحسين معايير اختيار أعضاء البعثات وتوزيعهم وفق الاحتياجات الفعلية للحجاج.

ولم تتوقف الملاحظات عند الإدارة المالية والتنظيمية، بل امتدت إلى الأنظمة الإلكترونية؛ إذ أشار تقرير 2025 إلى عدم وجود تقييم لمخاطر برنامج الحج، وعدم إجراء الفحوص والاختبارات الأمنية اللازمة بصورة كافية، في وقت أصبحت فيه عملية تسجيل الحجاج وإدارة بياناتهم تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا.

أما ملف شركات الحج والعمرة، فيكشف عن جانب آخر من المشكلة. فقد سجل الديوان حالات تأهيل لشركات رغم عدم استكمال بعض الوثائق والشروط، وقبول طلبات أو مستندات لا تستوفي المتطلبات، وتخفيض أو إلغاء غرامات دون مبررات موثقة، وتأهيل شركات لم تستوفِ بعض الشروط، إضافة إلى قصور في الزيارات الميدانية.

ومن أخطر الملاحظات أيضاً ضعف آليات حصر أعداد المعتمرين والإيرادات المستحقة نتيجة الاعتماد بدرجة كبيرة على التبليغ الذاتي للشركات، وهو ما يستدعي ربط الأنظمة الإلكترونية بالمعابر وتعزيز الرقابة لضمان معرفة الأعداد الحقيقية وحماية الإيرادات العامة.

ومع ذلك، من الإنصاف القول إن ديوان الرقابة سجل تحسينات مهمة في موسم 2025، منها تقليص البعثات وخفض التكاليف، واستخدام القرعة الإلكترونية، ووضع معايير لاختيار أعضاء البعثات، وتحسين بعض إجراءات استئجار السكن والنقل، والتفاوض المباشر مع أصحاب الفنادق، إلى جانب بعض إجراءات الضبط المالي والإلكتروني.

لكن هذه التحسينات لا تلغي السؤال الأساسي: لماذا تستمر بعض الملاحظات الأساسية من موسم إلى آخر؟

فالرقابة لا تقاس فقط بعدد الملاحظات التي تُسجل، وإنما بقدرة النظام الإداري على منع تكرارها. ورد الوزارة على التقرير والتعهد بالأخذ بالتوصيات خطوة مهمة، لكنها لا تكفي ما لم تتحول إلى إجراءات عملية، ومسؤوليات محددة، وجداول زمنية، ومؤشرات يمكن قياسها والتحقق منها.

وهنا تظهر قضية أوسع من موسم الحج نفسه: ما مدى قوة منظومة المتابعة والمساءلة بعد صدور تقارير ديوان الرقابة؟

والأمر لا يتعلق بالحج وحده، وإنما بثقافة الإدارة العامة بأكملها. فحين تتكرر الملاحظة الرقابية دون معالجة جذرية، تتحول الرقابة تدريجياً من أداة للإصلاح إلى عملية دورية لتسجيل الأخطاء نفسها!

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: ضعف اهتمام الجمهور بتقارير الرقابة. فمتابعة أعداد المشاهدات المنشورة لتقارير الديوان خلال السنوات الأخيرة تظهر، وفق الرصد الذي أجريته، مستويات مشاهدة محدودة ومتقاربة في معظم السنوات، رغم أهمية هذه التقارير في كشف أداء المؤسسات العامة وأوجه القصور في إدارة المال العام والخدمات العامة.

إن الرقابة العامة لا يمكن أن تنجح من دون جمهور مهتم ومتابع، كما أن التقارير الرقابية تفقد جزءاً كبيراً من أثرها،  إذا لم تتحول إلى موضوع للنقاش العام،  والمساءلة المجتمعية والمؤسسية.

الخلاصة أن المشكلة ليست في تقرير موسم حج واحد، ولا في ملاحظة رقابية هنا أو هناك. المشكلة الأعمق هي استمرار بعض الملاحظات عبر سنوات طويلة ، دون أن تتحول التوصيات والتعهدات إلى إصلاحات مؤسسية دائمة!

ولذلك فإن المطلوب ليس إصدار تقارير جديدة فحسب، وإنما إنشاء آلية واضحة وملزمة لمتابعة تنفيذ توصيات ديوان الرقابة، وتحديد المسؤول عن كل ملاحظة، وموعد تصويبها، والإفصاح عن مستوى التنفيذ في الموسم التالي!

فالحاج يستحق إدارة أكثر كفاءة وشفافية، والمال العام يستحق حماية أفضل، وشركات الحج والعمرة تستحق قواعد واضحة ومتساوية، والمواطن الفلسطيني يستحق أن يعرف: هل تُصحح الأخطاء التي تكشفها الرقابة… أم أنها ستعود إلينا في التقرير القادم؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

لجان الزكاة في الضفة الغربية 2025 ، بين الثقة الاجتماعية، وفجوات الحوكمة!