زهدي شبيطه
English

أزمة العرب ومستقبلهم

Englishاقرأ الترجمة الإنجليزية

زهدي شبيطهمصرفي تنفيذي (سابقا)
تاريخ النشر
مدة القراءة
6 دقائق قراءة
صورة زهدي شبيطه


في محاضرة ألقاها المرحوم هيكل في باريس بتاريخ 7-12-1995...وقبل حوالي 24 عاما، تكلم أمام جمهور كبير من صفوة من المهتمين بالشأن العربي العام في العاصمه الفرنسيه باريس..وما زالت فحوى محاضرته الملقاه في ذلك التاريخ...تتردد أصداؤها واصداء رؤى المرحوم "هيكل" للوضع العربي العام ومستقبله...


اشار الكاتب والصحفي الكبير "هيكل" في معرض بداية محاضرته في باريس، الى أنه حين احتلت المانيا النازيه فرنسا في العام 1940 في الحرب العالميه، علا صوت من دعاة الرضوخ للأمر الواقع للقوه النازيه المحتله...حيث كانت "حكومة فيشي" بزعامة "الجنرال بيتان"، أول من نادى وحكم وفق مفهوم الواقع يفرض أحكامه، "فأن الواقعيه أدعى للسلامه من المكابره " هذا كان المفهوم العام لدى "حكومة فيشي"، ورضوخها للامر الواقع للقوات الغازيه في تلك الفتره!!...وتعاونت حكومة فيشي مع الاحتلال النازي في ذلك الوقت، والتف بعض الفرنسيين حولها، مبررين قبول الامر الواقع للمحافظه على ما تبقى، بينما الغالبية من الفرنسيين، نظروا اليها نظرة خيانه عظمى..حتى جاء الرئيس شارل ديغول مقاوما ..بعدها ومختفيا في بريطانيا والجزائر وقاد المقاومه السريه انذاك ونجح في تحرير بلاده فرنسا..بالتعاون مع الحلفاء في الحرب العالميه الثانيه...!


يقارن المرحوم هيكل في محاضرته بين "البيتانيون الفرنسيون"..انذاك و"البيتانيون العرب" من الساسه من بعد حرب تشرين أول عام 1973 حتى هذه الايام...اذ قال ( بان الواقع العربي الفعلي والعملي ، أصبح "بيتاني" الملامح والقسمات ..ولكن الخطاب الرسمي والاعلامي العربي قرر أن يكون "ديغولي" الايقاع والنبرات)..!! وهي عملية قصد بها تكثيف الاوهام بالاحلام....وظهرت قوى في العالم العربي تدافع عن الامر الواقع لمصلحة هذه القوى فيه.!!


ومن المنطقي في أحوال من هذا النوع، ان تتلاقى "جماعات الفرصه، مع نخب الاداره السياسيه المحليه والاقليميه ومع المطالب الدوليه.."وتنشأ بين الجمع رابطه للمصالح المشتركه التي كانت على ما يبدو في عجلة من أمرها، فدعمت نفوذها ووسعت فرصتها، وهذا "ادى الى نوع من الفساد في العالم العربي بشكل لم يسبق له مثيل"..!!


وأضاف المرحوم "هيكل" في محاضرته: بأن السلطه التي تريد البقاء دون أن تشق عليها نفسها "بسند الشرعيه"...لا سبيل أمامها "غير البقاء بالقهر في مواقعها"..واظهرت هذه الجماعات ذات المصالح المشتركه..ان الأمه العربيه وقفت امام خيار متعسف، مؤداه ان الذين يعترضون على الامر الواقع بما فيه السلام غير المتوازن مع اسرائيل،" ليس امامهم الا ان يواجهوا المستقبل المظلم تحت حكم التطرف الديني"...


حدثت الحرب الاهلية في لبنان واستغرقت عشرات الاعوام، وحرب افغانستان وزج بالمواطنين العرب الذين اطلق عليهم اسم (المجاهدون) الى افغانستان ..للجهاد !! ضد السوفيات انذاك ودعمتهم امريكا وحلفاؤها من العالم العربي..ودمر العراق!! ...كل هذه القوى التي فعلت ما فعلت في بلدان عربيه، أنشات تحالف على الارض بين العرب واسرائيل...وذهب العرب الى مؤتمر مدريد... سواء من كان منهم في الصف الاول او الصف الاخير .."قد جمعهم مع اسرائيل اطار واحد في صوره واحده" !!! تعطي للعالم كله انطباع حلول سلام..لم يتبق منه الا توقيعات وأختام!!
طلب من المشاركين في مؤتمر مدريد أن يفرقوا بين نوعين من السلام...: "سلام سياسي"، له علاقة بالتاريخ ومخلفاته ورفع هذه المخلفات يحتاج الى وقت!!.."وسلام اقتصادي" له علاقه بالمستقبل ومتطلباته والحصول على جوائزه سريعا!!. كما اميط اللثام عن مشهد جديد في اروقة مؤتمر مدريد للسلام، هو ولادة "نظام جديد للشرق الاوسط."..والذي كان لزاما ان تتوافر لقيامه عناصر ضروريه! ..منها "عنصر مصالح" ..على الاقل لا يتعارض..!! " وعنصر أمن" ..على الاقل لا يتصادم !! "وعنصر ثقافه" اذا لم تكن مشتركه..فعلى الاقل متصله!!


برغم ذلك ، فان العرب كانوا على استعداد للاندفاع على طرق ما بعد مدريد ...وبدوا قابلين لمبدأ الفصل بين "السلام الاقتصادي" المسرع!!..و"السلام السياسي" المتمهل!! وكانت لسرعة تدفقهم على "السلام الاقتصادي" ، أن تعطلت الحركة على " السلام السياسي"..الامر الذي توقف بعض العرب عندها، واصبحت الساحة العربيه مليئه بالشك والالتباس..فالدور الاسرائيلي ليس فقط "دور المهيمن" ولكنه أيضا "دور المتعهد" في هذه المؤتمرات وفي المنطقه..حين بدات تعقد مؤتمرات قمه اقتصاديه (دافوس) بشكل دوري..اما الطرف العربي فغمرت بعض من ساحاتها نغمة التطبيع بلا قيد او شرط على اعتبار ان الوقت الحاضر هو "عصر المصالح القائمه" وأما مشاكل السياسه فهي" تركة عصر فات"..!! كان مؤيدو التطبيع على استعداد لمجاراة بيريز بطل فكرة الشرق الاوسط الجديد..وعلى استعداد لغض الطرف عن كل قضية سياسيه حتى ولو كانت القدس..!! واخرجت "القدس" من جداول اعمال مؤتمرات القمم الاقتصاديه..بل زاد الامر مرارة ان رابين –رئيس وزراء اسرائيل انذاك ، قال في مؤتمر القمه الاقتصادي في عمان في عام 1995.قال.للحضور في المؤتمر "انني قادم من القدس عاصمة اسرائيل الموحده الابديه" واضاف شمعون بييتز مكملا .".ان مسالة القدس ليست مفتوحه لاي نقاش لا اليوم ولا غدا" في وقت كان الكونجرس الامريكي قد اقر قانونا في ذلك العام، لنقل السفاره الامريكيه في اسرائيل من تل ابيب الى القدس...!!
ثم زادت الاوضاع العربيه مأساويه حينما انتقلت القضيه الفلسطينيه الى "اوسلو"...ويشبه المرحوم هيكل هذا التسابق العربي والفلسطيني الى ما اطلق الشاعر الكبير المرحوم محمود درويش على حال الامه العربيه شعار " انتحار المعنى"..حيث ادى انتقال القضيه الفلسطينيه الى اوسلو ..الى تحقيق اسرائيل شرعيه قانونيه لوجودها لم تكن لها منذ عام 1948..فالامر في مدريد كان يتعلق بدور اسرائيل في المنطقه والانتقال من عصر الى عصر..!!


ما أشبه اليوم بالبارحة ...قبل 24 عاما.....وما تحدث به المرحوم "هيكل" يحصل ببعض تفاصيله ومفرداته اليوم!!...فالسلام الاقتصادي والتطبيع ودخول اسرائيل في الشرق الاوسط الجديد" كمتعهد أمن" وتبرئتها من تهمة الارهاب...هما ما نفذه العرب من مؤتمر مدريد...وقد اعلنت القدس عاصمة لاسرائيل..ونقلت السفاره الامريكيه من تل ابيب..الى القدس...بدون زوابع..وبدون زعل عربي حقيقي...وتم تمليك الجولان لاسرائيل...وشجب العرب الخطوات...شجبا مريرا.... وواصلوا علاج جراحهم هنا وهناك ..وبدأت اسرائيل دورها العلني ..متابطة اذرع مسؤولين عرب....للظهور العلني الحميم..بلا خوف او وجل.وتم اختراع عدو للعرب، اعتبر الخطر الاكبرعلى العرب وعلى جيرانهم...واصبجت اسرائيل تحارب معا وسويا مع بعض العرب بما سمي مصطلح"الارهاب".واستولت اسرائيل على معظم الارض الفلسطينيه الباقية.بكل هدوء وخبث واغتنام فرص..وجمد الفلسطينيون في اماكنهم ..حيث لم ينجحوا في ايقاف الاستيطان...الذي تمدد بشكل كبير في فترة الخمسه وعشرين سنه الماضيه!! واعترف الفلسطينيون باخطاء المفاوضات خاصة بما يتعلق بالاستيطان ، في الوقت الذي يصر الاسرائيليون على تسمية الضفه الغربيه" بالمناطق" او" يهودا والسامره" حتى بلغ بالاداره الامريكيه على لسان سفيرها في تل ابيب..بان لا يتم اطلاق اسم "الاراضي المحتله "على الاراضي الفلسطينيه بعد عام 1967 وانما "اراض متنازع عليها" وضيقت بعض الانظمه العربيه على الفلسطينيين بشكل لا سابق له لاجبارهم على تنفيذ صفقه لم يتم رؤية سطورها، وانما تم تمرير بعض من بنودها..وهي "صفقة القرن".واستمر نزيف اقتتال داخلي في الكثير من الدول العربيه..حتى باتت كل دوله عربيه..تحاول ان تعتني بنفسها...بمساعدة القوى الخارجيه ..!!...دب الفساد في عموم العالم العربي..ودب الخلاف بين بعض الدول العربيه..فيما بينها ..حتى عادت الجامعه العربيه..لا تستطيع عمل شئ الا المصادقه على قرارات ورؤية ما تمليه أحلاف عربيه ..ضد بعض الاقطار الاخرى في العالم العربي..!!


وأشار السيد هيكل في محاضرته الطويله انفة الذكر ، بأن المستقبل هو للامه العربيه.!!..ومن الممكن أن يتم التغيير واعادة صياغة مستقبل الامه جيلا بعد جيل بوسيلتين اساسيتين هما: "التعليم والتشريع" كما وأن الامه تشعر رغم جراحها ان" المستقبل يولد في قلوب الناس ومن قلوبهم الى عقولهم ومن عقولهم الى ارادتهم"..فلسان حال المرحوم هيكل يقول : ان الاراده العربيه باقيه...وستنتصر..ولكن بتغيير نمط التفكير وسن القوانين والانظمه التي تصون حقوق الناس وحرياتهم وابداعاتهم ، .واحترام عقولهم وتفكيرهم، والمساواه ونشر الديموقراطيه.

شارك أو استشهد

فيسبوكواتساب
صيغة الاستشهاد

زهدي شبيطه، «أزمة العرب ومستقبلهم»، 15 سبتمبر 2022، https://www.zuhdish.co/2022/09/blog-post_864.html

مكان هذا المقال في «الشأن العام والسياسة»

كل المقالات (316) ←

المقال رقم 92 من 316 في هذا الموضوع، منذ 2022.

0%