" الموز ومتخيل التقدم: البيئة القومية والرأسمالية الزراعية في فلسطين إبان الانتداب"
نشاط اقتصادي، ولكنه سياسي وبيئي في مواجهة
الاستعمار.
●
صدرت ورقة بحثية في عام 2025 ، بعنوان " الموز ومتخيل التقدم: البيئة القومية
والرأسمالية الزراعية في فلسطين إبان الانتداب" من اعداد د. نيكول خياط، ود. فاطنة
عبريك-زبيدات – من جامعة تل أبيب ، يهدف
البحث إلى فهم كيف شكلت زراعة الموز في فلسطين ساحة للصراع بين الطموحات الاستيطانية
الصهيونية، والرغبات الاقتصادية والوطنية
الفلسطينية، وكيف ارتبطت
هذه الزراعة بالتطور الرأسمالي الفلسطيني الناشئ ، والتيارات القومية العربية ، ومن خلال هذا الإطار، يُنظر إلى زراعة الموز ليس فقط كنشاط
اقتصادي، بل كرمز سياسي وبيئي في مواجهة الاستعمار!
●
زراعة الموز لم تكن
جديدًة على فلسطين، فإن الجهود الرامية إلى التوسع الكبير في إنتاجه خلال فترة
الانتداب البريطاني، اصطدمت بعدم ملاءمة
التربة والمناخ في المنطقة، ما أفضى إلى نشوء خطابات متنافسة حول المعرفة العلمية
والتجذّر الثقافي. وإذ لم يكن الموز نباتًا محليًا في فلسطين، ولا متجذرًا في التقليد الكتابي، فقد استدعى
لدى المستوطنين متخيّلًا «علمانيًا» بديلًا عن كفاءتهم وخبرتهم الذاتية، وهو ما
اصطدم بالواقع المعاش لخبرة السكان الأصليين العميقة بالبيئة المحلية و بنجاحهم الزراعي المقارن. تتبع المقالة الخطابات العلمية والتمثيلات الثقافية لزراعة الموز في لوائي بيسان وأريحا، كاشفةً عن
أبعاد جديدة للكيفية التي شكّلت بها الزراعة الصراع الصهيوني-العربي، بما في ذلك
دور الطبقة الرأسمالية الفلسطينية في مقاومة نزع الملكية الاستيطاني-الاستعماري. وبذلك
توضح المقالة دور الموز في التنمية الإقليمية غير المتكافئة وفي الصراع على
السيطرة على الأرض!
●
سعى الصهاينة في فترة الانتداب البريطاني لفلسطين، إلى تسويق
الموز المنتج في فلسطين باعتباره "عبريًا"، ما استلزم استخدام
خطاب ثقافي وبيئي يمزج بين الطموح الاستعماري والزراعة الرأسمالية والهندسة
الإيكولوجية. ومع ذلك، اصطدمت هذه التصورات بالواقع الزراعي الفلسطيني الناجح،
المرتبط بـ رأسمالية فلسطينية
صاعدة، ما جعل الموز أرض صراع بين الصهاينة والفلسطينيين.
●
وقد تعامل الانتداب البريطاني في فلسطين، الذي أسّس وعزّز
نموذجاً استعمارياً استيطانياً جديداً، مع المستوطنين اليهود كشركاء، في حين وضع الفلسطينيين
في موقع المُستعمَرين. وفي هذا السياق، خدم «تهويد» الموز عملية تطبيع المستوطنين
الصهاينة بوصفهم سكّاناً أصليين للأرض، مقابل تصوير الفلسطينيين الأصليين كغرباء.
في الوقت نفسه، شهد الصراع على الأرض في بيسان انخراطاً ملحوظاً لعدد كبير من
المزارعين الفلسطينيين المحليين، بدعم من صحافة عربية فاعلة.
●
في عام 1945، سجّلت «إحصاءات القرى»، وهي أكثر المسوح
الحكومية شمولًا من نوعها خلال فترة الانتداب البريطاني (1920–1948)، ما مجموعه
3881 دونمًا من مزارع الموز الخاضعة للضريبة في فلسطين. ولوضع هذا الرقم في سياقه
النسبي، كان أكثر من 281 ألف دونم مزروعًا بالحمضيات آنذاك (دائرة الإحصاء،
1945).¹. غير أن زراعة الموز الإقليمية خلال فترة الانتداب ، تحولت من نشاط
متقطع إلى زراعة نقدية واسعة النطاق. وقد دفعت هذا التحول مصالح متداخلة بين
السلطات الاستعمارية والمستوطنين الصهاينة والمزارعين الرأسماليين الفلسطينيين،
ولم يكن التحول اقتصاديًا فحسب، بل سياسيًا وبيئيا أيضًا.
●
واستثمر الصهاينة والبريطانيين لإثبات السيطرة على الأرض عبر زراعة الموز، بينما
واجه الفلسطينيون تحديات لوجستية وبيروقراطية، لكنهم نجحوا أحيانًا في إثبات
خبرتهم الزراعية أمام المحطات التجريبية الاستعمارية. وقد شارك الفلسطينيون في
تبادل المعرفة الزراعية مع مراكز بحثية عالمية، ما ساهم في تحدي التصور الاستعماري
لهم كزراع متخلفين! وعلى الرغم من تهميشهم في
السرديات الاستعمارية، انخرط الفاعلون الزراعيون الفلسطينيون بفاعلية في
الشبكات العلمية العالمية. فقد كان جورج خضّر، رئيس الغرفة التجارية العربية، على
سبيل المثال، على تواصل مع جمعيات زراعية ومراكز أبحاث مرموقة في الخارج، من بينها
محطة التجارب الزراعية في هاواي التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية
●
تُظهر زراعة الموز في أريحا ، وبيسان، أهمية الخطاب البيئي–القومي لفهم علاقات القوة
في ظل الانتداب البريطاني. فقد جرى تقويض الوعد الذي حملته زراعة الموز بتعزيز
المصالح الوطنية الفلسطينية عبر تدخلات صهيونية وبريطانية استعمارية، ما أضفى على
الصراع حول السيطرة على مزارع الموز دلالات بيئية–قومية، وإنْ اتخذت مسارات
متباينة في لوائي بيسان و أريحا. ومن خلال وضع الموز في مركز التحليل بوصفه محصولاً وسلعة في
آنٍ واحد، تُبرز الحالتان فاعلية النخب الرأسمالية الفلسطينية تاريخياً، بدلاً من
حصر الدلالة القومية في الفلاحين بوصفهم المؤشر الوطني الرئيس. ومع تصاعد القومية
العربية ومساعي الصهيونية إلى إقامة صناعة موز «عبرية» متميزة، أصبحت ادعاءات
«الخبرة العلمية» مسيّسة على نحو متزايد—ولا سيما في أريحا التي برزت بوصفها مركز
الإنتاج الأنجح والأكثر استدامة في المنطقة.
●
ففي بيسان، التي عُدّت في البداية منطقة واعدة لزراعة الموز، روّجت الصحافة
العربية بنشاط للاستثمار الفلسطيني
وإقامة المزارع. ففي عام 1927، أفادت صحيفة الكرمل بأن كثيراً من سكان
بيسان كانوا يبحثون عن مشترين لأراضيهم، ما أثار مخاوف بشأن ما بدا أنه عرقلة
حكومية للتنمية الاقتصادية العربية في المنطقة ، ومن خلال صحيفته، شجّع نجيب نصّار
العرب الأثرياء على حماية الأرض الفلسطينية من الاستحواذ الصهيوني عبر الانخراط
في مشاريع إنتاجية ذات طابع وطني، داعياً إياهم إلى شراء الأراضي وزراعة الموز في
بيسان. ورأى أن مثل هذه الاستثمارات ستؤمّن عوائد للمستثمرين، وفي الوقت نفسه
تُسهم في الحفاظ على الوطن!
●
واستمر الاستثمار الفلسطيني في منطقة بيسان طوال أوائل
ثلاثينيات القرن العشرين، حيث أقدم «أفندية وتجار عرب» على شراء أراضٍ لزراعة
الموز ، ولم تكن هذه المبادرات اقتصادية فحسب، بل تعززت بخطاب قومي صوّر التنمية
الزراعية وسيلةً للحفاظ على ملكية الأرض الفلسطينية في مواجهة التغلغل الصهيوني
المتدرج. ومن بين أوائل المستثمرين الذين جسّدوا هذا النمط من القومية البراغماتية
حسيب وهبة، الذي كان قد زرع النخيل في المنطقة، إلى جانب مستثمرين من رام الله مثل
نائب رئيس بلدية رام الله موسى الخليل، ورجل الأعمال جورج حرب. وقد زرع هؤلاء
مجتمعين أكثر من 20 ألف شتلة موز، ونالت مشاريعهم دعماً حماسياً من صحيفة الكرمل
التي أشادت، من بين أمور أخرى، بفعالية استراتيجياتهم التسويقية،
●
ومع تهديد التحديات البيئية لجدوى مشاريعهم الاقتصادية،
سرعان ما تراجع كثير من المستثمرين الفلسطينيين، رغم دوافعهم الوطنية، عن السعي
الزراعي. فبعد صقيع 1931، تخلى المزارعون المحتملون عن خططهم في بيسان، تاركين فقط
من لديهم استثمارات كبيرة قائمة. كما أهملت العديد من المزارع الواقعة على أراضٍ
غير ملائمة، بما في ذلك السهل الساحلي، ولم تبقَ سوى نسبة صغيرة منها منتجة. ومع
ذلك، ظهرت مخاوف بشأن تخصيص الأراضي في بيسان، مع شكاوى من أن الحكومة كانت تمنح
الأراضي للمستوطنين اليهود—الذين، إلى جانب القروض الحكومية، كانوا يتلقون دعماً
مالياً من منظمات صهيونية غير متاحة للفلسطينيين—مما زاد من الفوارق
الاقتصادية، شحادة، 1931.
●
وكان الصراع الوطني بين العرب والصهاينة حول الموز في فلسطين
مرتبطًا أيضًا بالمواسم الإقليمية للزراعة والحصاد. سمح مناخ أريحا الملائم، وغياب المنافسة لأعضاء عائلة الحسيني ومزارعين
فلسطينيين آخرين هناك ببيع الجزء الأكبر من محصولهم بأسعار مرتفعة من مايو إلى
أكتوبر، في المقابل، كان المزارعون اليهود، الذين تركز إنتاجهم بين نوفمبر ومايو،
محدودين في قدرتهم على الاستفادة من الأسعار الموسمية في السوق. وصفت الصحافة
العبرية هذه الممارسات بأنها تخفيض أسعار بهدف تقويض المزارعين اليهود.
●
ومع صعوبة المنافسة مع الموز الأرخص من أريحا الذي غمر سوق
كرميل في تل أبيب، حث المنتجون اليهود المستهلكين على شراء الموز
"العبري" رغم ارتفاع تكلفته، لمنع انهيار سوق الموز العبري!
●
لعبت القومية في فلسطين أيضًا دورًا بارزًا في ديناميات
السوق المحلية خلال فترة الإضرابات العامة و الانتفاضة المناهضة للاستعمار المعروفة
بالثورة العربية الكبرى (1936–1939). على سبيل المثال، حذرت الصحافة العبرية من
محاولات نشطاء الحركة القومية العربية بيع موز أريحا لليهود أ، وفي عام 1936، انتقد كاتب يهودي أصحاب المتاجر في
حيفا، لبيع موز مزروع في مزارع أريحا،
المملوكة بحسبه لـ "قادة القتلة". و للتصدي لهذا التهديد المزعوم، بدأت الجمعية المركزية اليهودية
للإنتاج الزراعي في فلسطين (تنوفا، التي تأسست عام 1926، بوضع علامات على الموز القادم من المزارع
اليهودية لمساعدة المستهلكين على التعرف عليه ، وحثت المستوطنين اليهود على دعم
الصهيونية والاقتصاد اليهودي من خلال استهلاك المنتجات "العبريّة"
حصريًا.
●
استمرت زراعة الموز في وادي الأردن بعد قيام دولة إسرائيل
عام 1948، مدعومة بمياه الينابيع والآبار الخاصة والوصول إلى الأسواق العربية
الإقليمية. ومع ذلك، تغير الوضع بعد عام 1967، عندما وضعت إسرائيل قطاع المياه في
الضفة الغربية تحت الإدارة العسكرية المباشرة، وسيطرت على جميع الموارد المائية
الكبرى، و حرمت الفلسطينيين من الوصول إلى نهر الأردن، وقيّدت حفر وصيانة
الآبار ، عززت اتفاقيات أوسلو لعام 1993 هذا النظام من خلال تقنين السلطة المدنية
والعسكرية الإسرائيلية على معظم وادي الأردن، مما جعل زراعة المحاصيل التي تتطلب
كميات كبيرة من المياه مثل الموز غير مستدامة. ومع نضوب المياه الجوفية وارتفاع
ملوحتها، تضاءلت جدوى الموز البيئية، وانخفضت الأرباح نتيجة إغلاق الأسواق
العربية، فتوجه المزارعون الفلسطينيون نحو نخيل المجهول، الذي يتحمل الري بالمياه
المالحة ويحقق أسعارًا مرتفعة في الأسواق الدولية !
تعليقات
إرسال تعليق