واقع الحصانة لكبار الموظفين العموميين في فلسطين بين المدح والقدح
●
طالعت تقارير بخصوص موضوع الحصانة لكبار الموظفين العموميين ، ومدى قدرة تشريع أي
دولة لتحقيق توازن حاسم بين الحصانة التي
تمنح لكبار موظفي الدولة، أثناء تأديتهم عملهم الوظيفي العام... وبين وقف نفاذ هذه الحصانة، ورفعها في حال ثبوت
تورط حاملها في عمليات جنائية، وعلى رأسها
ممارسة الفساد..!
●
من بين هذه التقارير ،
اطلعت على فحوى تقرير لائتلاف أمان " الائتلاف مـن أجـل النزاهة والمساءلة (أمـان(.
2022 . واقــع الحصانة
لكبـار
مسؤولي الدولــة وتأثيرها علــى النزاهة السياسية، وجهود مكافحــة الفســاد. رام اللـه- فلسـطين." والذي صدر في
تشرين الثاني من عام 2022، ويقع التقرير
في 33 صفحة ، من سلسلة تقارير الائتلاف
رقم 241.
●
اما بخصوص قضايا الفساد في
فلسطين، فقد اظهر تقرير لائتلاف أمان، أن العديد من كبار مسؤولي الدولة، يتمتع ببعض الحصانات المقيدة للمساءلة، بما فيها الإجراءات المتعلقة بمكافحة الفساد..حسب وصف التقرير
●
في
تقديم التقرير، تحدث عن قدم ظاهرة منح
الحصانة ..لموظفي الدولة ..إذ تعـود أقـدم سـجلات االحصانـة البرلمانيـة
والقضائيـة إلـى القـرن الثالـث عشـر.
أمـا في الـدول الحديثـة، في ظـل حكـم القانـون، فهناك إجماع مـن المنظمـات الدوليـة، مثل الأمم المتحــدة، علــى أن الحصانــات الجنائيــة يجـب أن تكـون
محـدودة للسماح بالمقاضاة الفعالة لجرائـم الفسـاد، في ضوء
ُمنـح الحصانـات للكثيـر مـن النـاس،
وبطريقـة واسـعة وعامـة بـلا داع، ويتـم اسـتغلال هـذه الحصانـة علـى نطـاق
واسـع مـن قبـل السياسـيين الفاسـدين..!
●
وجرى تعريف الحصانة في متن التقرير، بأنها حماية أشخاص معينين من
الملاحقة القضائية عن الأفعال التي يرتكبونها، في
معرض قيامهم بمهامهم الرسمية ..وهي مقررة من أجل
المصلحة العامة ..لا من أجل مصالح الأشخاص
الذين يتمتعون بها..الا ان منح الحصانات والامتيازات من قبل القوانين ، تعتبر سلاحا ذو حدين، فهي من جهة تشكل أداة لتسهيل عمل وحماية فئات منحها القانون مزايا
معينة للقيام بعملها وضمان استقلالها
بعملها ..وهو من جهة اخرى
يشكل مدخلا لفئات قد تستغل هذه الحصانة بغية الحصول على منافع ومكاسب معينه او الافلات من
العقاب...!
● قوانين مكافحة الفساد على المستوى الدولي – الامم المتحدة
●
اتفاقية
الأمم المتحدة لمكافحة الفساد . التزام دولي
بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 4/58 بتاريخ
31-10-2003 ، حيث أوجبت على كل دولة طرف
فيها، التزاما أساسيا بضرورة اتخاذ ما يلزم من إجراءات على مستوى قوانينها الداخلية، لتعزيز حالة التوازن بين منح الحصانات والامتيازات،
والقيام بعمليات الملاحقة على
خلفية قضايا الفساد..
●
لقـد صدقـت السـلطة الوطنيـة الفلسـطينية علـى اتفاقية
الأمم المتحـدة لمكافحـة الفسـاد
لعـام 2003 ،نيسـان/أبريل 2014 ، ً علــى فلســطين، باعتبارها دولــة طــرف في الاتفاقيـة ودخلت حيز النفاذ 2 أيار/مايو 2014 ،
●
كما اطلعت على دراسة وافية وغزيرة المعنى، كتبها الاستاذ النائب العام المستشار
الدكتور احمد البراك بعنوان "
الحصانة من منظور المواجهة الجزائية لظاهرة الفساد في التشريع الفلسطيني"
، نشرت بتاريخ 19-6-2020، حيث أكد الدكتور
المستشار بأن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، قد
شددت على ضرورة تحقيق التوازن بين الحصانة،
وفاعلية المواجهة الجزائية لظاهرة الفساد. ، بالرغم من أن الواقع العملي غير ذلك؛ لذا حسب وصف المستشار، لا يمكن تحقيق ذلك التوازن، إلا بالحد من تلك الحصانات، من خلال حصر
مفعولها في الإجراءات الماسة بشخص المتمتع بالحصانة، وبحرمة مسكنه، مع ضرورة أن يكون الفصل في طلب رفع الحصانة، بواسطة جهة قضائية محايدة، وموضوعية،
ومستقلة، وذلك بناءً على إجراءات عملية واضحة ومضبوطة بمدة معينة، بحيث تكون
سريعة.
●
وفي تقديمه لتلك الدراسة، أشار الدكتور البراك الى ظاهرة الفساد ، بكونها تصنف على أنها ظاهرة عالمية، حيث تشمل آثارها
السلبية معظم الوحدات السياسية والكيانات الاجتماعية، فيما يختلف مدى تلك الظاهرة
بين الدول نتيجةً وتباينها في درجة الاستجابة للأنظمة القائمة على محاربة الفساد،
علاوةً على تفاوتها في عوامل الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتنموي.
●
وأضاف المستشار، يمكننا تعريف الفساد على أنه «سلوك
غير سوي ينطوي على قيام الشخص باستغلال مركزه وسلطته في مخالفة القوانين والأنظمة
والتعليمات لتحقيق منافع لنفسه، أو لذويه
من الأقارب، والأصدقاء، والمعارف،
وذلك على حساب المصلحة العامة، ويظهر السلوك المخالف أو غير السوي على شكل
جرائم؛ كالرشوة، والاختلاس، وسوء استخدام المال العام، والإنفاق غير المبرر للمال
العام وهدره. فما هو إلا انحراف عن الالتزام بالقواعد والنظم القانونية المعمول
بها محليًا أو دوليًا».
● قوانين مكافحة الفساد على المستوى الداخلي
●
أورد تقرير ائتلاف النزاهة والمساءلة . أمان 2022، المشار اليه اعلاه، عن أن فلسطين قـد عانـت
كغيرهـا مـن دول العالـم، مـن وجـود
ظاهـرة الفسـاد الـذي يثيـر قلقا على جوانب الحيــاة المختلفــة، ويسهم
بشــكل كبيــر في إعاقـة
التنميــة وزعزعة القيــم الاساسيـة
للمجتمــع، إضافــة إلــى تأثيره السلبي علـى المشـروع الوطنـي الفلسـطيني؛ بتقويض
شرعية
المطلب الفلسـطيني المتعلق بإقامة
الدولة
المستقلة ، وممارسة الشـعب حق تقريـر المصيـر، ناهيـك عمـا يسـهم بـه
الفسـاد مـن عرقلة بنـاء دولـة القانـون
والمؤسسـات المنشودة.
●
قانون مكافحة الفساد رقم 1
لعام 2005 في فلسطين، وتعديلاته ..خاصة مادة
رقم 9 من منح صلاحية لهيئة
مكافحة الفساد، في تلقي التقارير والبلاغات والشكاوى بخصوص جرائم الفساد،
ودراستها ، ومتابعتها ..ومنح بعض موظفي الهيئة صفة الضبطية القضائية التي
تمكنهم من اتخاذ إجراءات التحري والاستدلال وجمع
المعلومات عن جرائم الفساد..
●
أما بخصوص قضايا
الفساد في فلسطين، فقد اظهر التقرير ، أن
العديد من كبار مسؤولي الدولة، يتمتع ببعض
الحصانات المقيدة للمساءلة، بما فيها الإجراءات المتعلقة بمكافحة الفساد..حسب وصف التقرير
●
أما هيئة مكافحة الفساد في فلسطين، فتقول، إن نسبة فساد الفئات العليا من الموظفين العموميين، في القضايا
التي سجلتها محكمة جرائم الفساد، والواردة من الهيئة، لم تتعد 13% من إجمالي قضايا الفساد المسجلة
لديها ، (بعكس) ما يقوله المواطنون في استبيانات، وردت
نتائجها ضمن التقرير السنوي لمؤسسة أمان
لعام 2021 ، والتي اظهرت، ان نسبة فساد الفئات
العليا من الموظفين العموميين، كما
يتصورها الناس، بلغت 77% من إجمالي القضايا المعروضة على
محكمة جرائم الفساد....، بينما بلغت نسبة فساد الفئات الدنيا من الموظفين
العموميين في الاستبيان حوالي 20 %..
●
.أن الحصانة
التي
قررتها
الاتفاقيات
الدولية، والتشريعات الداخليـة، هـي حصانة خصصت بشـكل أسـاس لحسن أداء الموظفين العموميين
لواجباتهم
الوظيفية، وحمايتهم أثنـاء عملهـم مـن تعسـف
السـلطات التنفيذيـة أو أيـة تجاذبـات داخليـة،
قـد تؤثـر علـى أدائهـم لواجباتهـم، وهـي حصانـات مرتبطـة بالعمـل ، وليـس
كامتيـازات شـخصية، يساء
استخدامها
لمصالح خاصة ، أو الإفلات من
العقاب.
●
ويقول التقرير، بأن هناك قضايا لا ترقى الى مرحلة ممارسة الفساد، وانما تصنف على أنها مخالفات إدارية..وفي مثل
قضايا الفساد عادة، فإن الهيئة لا تقوم بنشر مثل
هذه القضايا الحساسة عبر وسائل الإعلام. وفي
مقابلة مع أمين عام مجلس القضاء الأعلى، أشار بأن عدد القضايا التي سجلت في العام 2018 بلغت 18 قضية لدى محكمة جرائم
الفساد، فيما بلغت 25 قضية في العام 2019
، وفي العام 2020 ، بلغت 37 قضية، أما في العام
2021 ، فقد بلغت 25 قضية . أما في عام 2022
ولغاية كتابة التقرير فقد بلغت 9 قضايا..
●
اما
من حيث القضايا المنظورة أمام
المحكمة، فقد بلغ عددها 82 قضية، تفاصيلها كما يلي:
1- وكيل نيابة - قضية عدد (1)... -قيد النظر ..اما نوع هذه
القضية، فيقول التقرير، بأنه استثمار للوظيفة، والتهاون في أداء هذه الوظيفة ، والرشوة، وإساءة الائتمان، الخ...
2- دبلوماسيين – قضية عدد (6): تم الفصل بها: وموضوع هذه القضايا
هو الرشوة واستثمار الوظيفة للحصول على
منفعة شخصية
3- وزراء – قضية عدد (3): .قيد النظر ، وموضوعها : التزوير في أوراق خاصة ،وأخرى رسمية..الخ
4- قادة اجهزة امنيين: قضية عدد
(1): تم الفصل بها...وموضوعها استثمار الوظيفة والغش في إدارة حسابات الدولة، وغسيل اموال ، الخ..
5- موظفون عموميون قضية عدد
(71): قيد النظر ...قضايا متنوعة وفقا لقانون مكافحة الفساد
●
واورد التقرير ، ان هناك
ملاحظات من مسؤولي مجلس القضاء الأعلى ، بخصوص بعض المعوقات أمام محكمة جرائم الفساد، منها: حضور الشهود
وتغيبهم..خاصة الشهود من المؤسسات الأمنية، وصعوبة تبليغهم وإحضارهم، وإجراءات التبليغ ، وعدم تنفيذ مذكرات الإحضار خاصة في مناطق C ، وغياب بعض المحامين عن الجلسات..الخ
●
تتمثل الإشكالية الأساسيـة التــي ســعى هــذا التقرير لمعالجتها في الرابــط بـيـن مــع بعــض الفئــات العليــا ، وأصحــاب المناصــب والقــرار في
فلســطين، بامتيــاز الحصانــة،
وإمكانيــة محاســبتهم، وملاحقتهــم حــال
ارتكابهــم جرائــم فســاد، ومـدى صعوبـة تحقيـق ذلـك، خصوصـا أن حساسـية المناصـب
التـي يشـغلونها، وآثارهـا قـد تنعكـس
علـى بعـض جوانـب الحيــاة الاساســية في فلســطين، مثــل تهديــد الســلم
والامــن الاهلــي، واســتقرار المجتمــع الفلســطيني،
وتعزيــز الثقــة بيـن المواطـن والسـلطة السياسـية الحاكمـة بشـكل عـام ، وذلـك
لتحقيـق درجـة مـن التـوازن المطلـوب بيـن الغايـة التـي مـن أجلهـا منحـت
الحصانـة مـن جهـة، وتفعيـل جهـود مكافحـة الفسـاد، وتعزيـز ٍ نزاهـة الحكـم مـن جهـة أخـرى.
●
اورد التقرير مسميات الفئات
التي تتمتع بامتياز الحصانة وفقا للتشريعات الداخلية..كما يلي: حصانة الرئيس،
حصانة رئيس الوزراء والوزراء، حصانة أعضاء المجلس التشريعي، حصانة القضاة وأعضاء
النيابة العامة السـلطة القضائيـة، حصانـة
كبار القادة ألامنيين وهيئة القضاء العسـكري،
حصانة رؤساء المؤسسات شبه الوزارية والهيئات (المؤسسات) وموظفيه، ا ولعل
أبرزها: حصانـة رئيـس ديـوان الرقابـة
المالية والاداريـة وموظفيه ، وحصانـة
رئيـس هيئـة مكافحـة الفسـاد وموظفيهـا:
· وتمثلت أبرز التوصيات التي خرج بها هذ التقرير في على ضوء
النتائج السابقة يمكن إجمال أبرز التوصيات على النحو االاتي:
1- على المستوى السياساتي:
-
ضــرورة التأكيــد علــى
وجــود إرادة سياســية حقيقيــة في محاســبة كبــار مســؤولي الدولــة، وإحالــة
ملفاتهــم إلــى هيئــة مكافحة الفساد، اذا اقتضى الامر، لاتخاذ الاجراءات اللازمة
-
ضـرورة تعزيـز الثقـة بـن المواطنـن والمؤسسـة
العامـة، ومؤسسـات مكافحـة الفسـاد، مـن
خـلال تعزيـز الشـفافية والثقـة ّ بجديـة الاجـراءات المتخـذة بحـق المسـؤولين
الكبـار، لتغييـر الانطبـاع العـام لـدى الجمهـور، وتعزيـز ثقتـه بجـدوى إجـراءات مكافحة الفساد.
2-
على المستوى
التشريعي:
-
ضــرورة مراعــاة
التشــريعات الفلســطينية لحالة التــوازن
التــي فرضتهــا اتفاقيــة الامم المتحــدة لمكافحــة الفســاد، مــن خـلال إفـراد
نصـوص تراعـي التـوزان بـن منـح الحصانـة وعـدم الافـلات مـن العقـاب، وذلـك مـن
خـلال تخفيـف إجراءات رفـع الحصانـة،
وعـدم تعقيدهـا، وتعديلهـا مـن حيـث الاجـراءات الخاصـة برفـع الحصانـة
بتبسـيط إجراءاتهـا، إلـى جانـب تحديد مدد زمنية للرد على طلبات رفع الحصانة بما
يحقق حالة التوازن.
-
ضــرورة مراجعــة
التشــريعات الفلســطينية في ضــوء اتفاقيــة الامم المتحــدة لمكافحــة الفســاد،
وتقليــص عــدد الفئــات ّ الممنوحة للحصانة على غرار بعض التجارب، بما لا يمس ّ
بحرية هذه الجهات بأداء وظائفها وفقا للقانون.
3-
على
المستوى المؤسسي:
-
ضـرورة وقـف هيئـة مكافحـة
الفسـاد لمعالجة القضايـا المتعلقـة بفئـات متمتعـة بالحصانـة علـى خلفيـة
مخالفـات إداريـة أمـام رئيـس الدولـة، كـون هـذه الصلاحيـة تخـرج عـن اختصاصـه،
واللجـوء لمعالجة هـذه القضايـا مـع جهـات الاختصـاص وفقا لمقتضيات القانون.
تعليقات
إرسال تعليق