ماذا وراء حصول مصر على قرض اضافي بمبلغ 5 مليار دولار؟ هل هو أمر دُبِّر بِليل؟

 

 


-         قبل ظهر يوم الأربعاء الموافق 6-3-2024..أعلن رئيس وزراء جمهورية مصر العربية..السيد مصطفى مدبولي، أن حكومته ستوقع خلال ساعات " اتفاقية القرض المالي مع صندوق النقد الدولي" بعد مفاوضات سرية،  ، استمرت أكثر من 5 شهور – حسب رئيس الوزراء المصري-  (أي أثناء  فترة حرب الابادة التي يشنها جيش الاحتلال الاسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة منذ أكثر من 5 شهور بالتواكب).وهي تعد فترة مختصرة  للغاية،  مقارنة مع معظم المدة التي يستغرقها التفاوض وبسرية،  بين صندوق النقد الدولي،  و الدول المقترضة، وخير مثال على ذلك، هو استغراق مدة أكثر من سنة في التفاوض ، حين حصلت مصر نفسها على قرض بمبلغ 3 مليارات دولار فقط ،  في نهاية عام 2022.. كما أشير الى ذلك أدناه...

-        من الجدير بالذكر ، أن مصر كانت قد حصلت في نهاية عام 2022 – 22-12-، على قرض بمبلغ 3 مليارات دولار ، يسدد على نحو 46 شهرا ،  وبعد مفاوضات سرية استغرقت أكثر من عام.....وقبل حرب أكتوبر  2023، وبذا يكون هذا القرض ، قد اضيف اليه مبلغ 5 مليارات دولار اخرى في 6-3-2024 ، ليصبح قيمة القرض 8 مليارات دولار..

 

-        جاءت تصريحات رئيس وزراء مصر ، بعد وقت قصير من قرار البنك المركزي المصري، إجراء تعويم جديد للجنيه المصري ، أو تحرير سعر الصرف الأجنبي، وتم رفع سعر الفائدة الدائنة والمدينة (فوائد الإيداع والاقتراض والتي أصبحت بين 27-28%)..

-        هذا،  وبعد خطاب رئيس وزراء مصر بساعات، وفي عصر ذلك اليوم الاربعاء.6-3-2024 .أعلن صندوق النقد الدولي ، توقيع اتفاقية قرض مع مصر بقيمة 8 مليار دولار ، تماشيا مع توقعات رئيس وزراء مصر  السيد مصطفى مدبولي..بأن توقع القاهرة هذا الاتفاق خلال ساعات! وتم توقيع الاتفاق ، من بعد ذبح الجنية المصري (خفض قيمة الجنيه المصري،  الى مستوى منخفض غير مسبوق عند 49 جنيه مصري لكل دولار  من قيمة نحو 30.85 جنيها للدولار في فترة سابقة بخسارة في قيمته أكثر من 60%..في يوم واحد !!

-        من الجدير بالذكر أن مصر تعتبر ثاني أكبر مقترض من صندوق النقد الدولي بعد دولة الأرجنتين، والتي كما غمز من طرف مصادر صحفية، أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، هما رأس حرب للسياسة الامريكية في العالم، وهما ، وخاصة الصندوق ، يعتبر "قاهرا للسيادة الوطنية"  للبلدان المقترضة، وذلك من خلال فرض شروط منح القروض للدول، والتي سماها البعض "روشتة الصندوق" ، وهذه الشروط قد  وصلت أقصاها،  بعدد الشروط الملقاة على إحدى الدول المقترضة الى 150 شرط،   وهي دولة افريقية..علما بأن من مسارات هذه الشروط، وبشكل مختصر ... هو التدخل في البلاد المقترضة، عن طريق ربط موافقة الصندوق لمنح القروض لدولة ما ..باعادة هيكلة سياسات  هذه الدول الاقتصادية، وزيادة الضرائب،  وتخفيض او الغاء الدعم للدولة للسلع الاساسية في المجتمع والتي يتأثر بها الشرائح الفقيرة في كل بلد...الخ .كما وأن صندوق النقد الدولي، لا يتطلب من برلمانات ومجالس تشريعية للمصادقة على هذه  الاتفاقيات،  بخصوص القروض الممنوحة لهذه الدول..وبالتالي، لا يعرف أغلب قطاعات الشعب في أي دولة مقترضة عن تفاصيل وشروط مثل هذه القروض، اضافة الى ان الصندوق وشركائه في التمويل يلجأون الى رهن ثروات بعض الدول لصالح هؤلاء الدائنين..لسنوات قد تستمر مددا زمنية تتعدى المدد الزمنية الطويلة للقروض من هذا الصندوق!

-        وفي حالات سابقة، وما زال البعض منها قائما  ، يقوم صندوق النقد الدولي ، بالتدخل في الحياة السياسية للدول المقترضة ، مثل ما حصل مع دول أمريكا اللاتينية ، والوسطى  في السابق، وبعض الدول المتناثرة هنا وهناك.....وما حدث مع الانتخابات الأرجنتينية قبل شهور (أكتوبر 2023)،  إذ نالت بموجبها الأرجنتين ، دعما بشكل غير مباشر، من حيث تسهيل الإفراج عن شرائح مالية(شريحة بمبلغ 7.5 مليار دولار)، من برنامج مساعدات إجمالية للأرجنتين بقيمة 44 مليار دولار ، تم التوصل اليه في مارس 2022 ، مع صندوق النقد الدولي ، لإعادة تمويل ديون البلد الطائلة،  والحصول على المدفوعات،   في بلد وصل إليها التضخم الى 143% ، ووصلت أسعار الفوائد على الودائع فيه الى 118%...!! وقد فسرت مثل هذه الحركة ، بأنها لدعم فرص نجاح الزعيم الارجنتيني اليميني المتطرف  ..Javier Milei ، في هذه الانتخابات ، ويعتبر ميلي الذي يطلق عليه "رأسمالي فوضوي" ...خبيرا اقتصاديا ليبراليا متطرفا، وصاحب مفهوم عدم تدخل الدولة في القطاع الخاص، والاقتصاد بشكل عام، وهي نفس الأسس والمبادئ، التي يعمل على أساسها صندوق النقد الدولي!

-        نحن نعرف أن مصر لديها هاجس،  وهم كبير،  وهو شح العملة الصعبة .(.الدولار الأمريكي) ، التي تعتبر  ضرورية لتغطية اثمان الواردات والتي تشكل المواد الغذائية(كالقمح والذرة)، والمشتقات البترولية، على رأس قائمة  السلع التي يتم استيرادها الى مصر ، وهي سلع ضرورية للحياة البشرية في مصر..اضافة الى استيراد مواد أولية للمصانع في مصر..وما شح العملة الصعبة،  إلا مؤشر الى أن ميزان مدفوعات مصر غير مستقر..!

-        وقد شرح صندوق النقد  في أسباب منح مصر القرض ، أنه نظرا لتراكم الصعوبات التي نشبت في المنطقة،  والتي هي حرب غزة..وانخفاض دخل قناة السويس نتيجة حرب غزة ، وانخفاض إيرادات السياحة داخل مصر ..وهي جميعا من المصادر الرئيسية للعملة الصعبة في مصر..، فانه بالتاكيد  تم استغلال مصر في هذا الوجع، وتم الضغط عليها بخصوص فتح معبر رفح لخروج الفلسطينيين منه الى مصر ( والذي كان المقصود منه تهجير الفلسطينيين وهو مطلب اسرائيلي ، )، ورفضت مصر في بداية الحرب ذلك، إلا أنها لم ترضخ لمناشدات العالم الانسانية ، والامم المتحدة ، لفتح معبر رفح لإدخال المساعدات للفلسطينيين المحاصرين والذي يجري وما يزال قتلهم وابادتهم أمام العالم ..وقد عللت مصر عدم امكانية ارسال المساعدات الدولية لقطاع غزة ، برفض اسرائيل لذلك ، مشيرا الى وجود اتفاقية بينها وبين اسرائيل،  بضرورة مراعاة مصالح كل دولة،  مصالح الدولة  الأخرى..

-        وما السرعة في منح هذا القرض الكبير من خلال مفاوضات لم تأخذ وقتا كافيا لدراسة أوضاع مصر الاقتصادية، وقدرتها على التسديد والوفاء بالشروط (روشتة الصندوق)،  التي تطلب من البلد المقترض طاعتها في كل ما يتعلق بهذا القرض من إملاءات وشروط...بالاضافة الى انه لم يمض وقت طويل (حوالي سنة وشهرين)، حين حصلت مصر على فرضها الأول والبالغ 3 مليار دولار ، بعد مفاوضات استغرقت أكثر من سنة ، في نهاية سنة 2022... وهم يعرفون ان مصر بحاجة الى عملة صعبة...

-        رائحة هذا القرض. تفوح منها حسب اعتقادي،  مبررات دبرت بليل، وهي  ثمن سكوت مصر وامتناعها عن التحرك لصالح  دورها القومي العربي ، ولم يقتصر الثمن عند حد هذا القرض، بل هناك قروض ستقبضها مصر ايضا ذات صلة بالرضى عنها من صندوق النقد الدولي، من باقي شركاء التنمية ــ وعلى رأسهم البنك الدولي والاتحاد الأوروبي ـــ وعدد آخر من الشركاء، سيقومون أيضاً بتوفير قروض ميسرة للدولة المصرية، بحيث نكون بصدد برنامج متكامل بأرقام كبيرة تُمكن الدولة المصرية من الاستقرار النقدي والاستمرار في برنامج الإصلاحات الهيكلية". إذ ستحصل مصر بموجب هذه (المكرمة) ، على قروض اضافية تصل الى 2 مليار دولار تقريبا..كما حصلت وستحصل مصر على أموال من  إحدى بلدان الشريك الثاني التمويلي لصندوق النقد وهو الشريك الخليجي، حيث سوف تدفع دولة الإمارات العربية،  وسوف تستكمل الدفع الإمارات في نيسان 2024 ، كامل رصيد صفقة الاستثمار الكبيرة والتي باعت أو اجرت..فيها مصر قطعة ارض واسعة لدولة الإمارات للاستثمار فيها ، تسمى  منطقة رأس الحكمة، وهي منطقة ساحلية على بعد 350 كيلومتراً تقريباً في شمال غربي العاصمة المصرية القاهرة، حيث يمثل هذا الاستثمار المهم: " " خطوة محورية نحو ترسيخ مكانة رأس الحكمة بوصفها وجهة رائدة من نوعها لقضاء العطلات على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ومركزاً مالياً ومنطقة حرة مجهزة ببنية تحتية عالمية المستوى،  لتعزيز إمكانات النمو الاقتصادي والسياحي في مصر. وتحتفظ الحكومة المصرية بحصة قدرها 35 في المائة في مشروع تطوير رأس الحكمة.التي تمتد على مساحة تزيد على 170 مليون متر مربع،  والتي من المتوقع استقبال 8 ملايين سائح سنويا ، في هذه المنطقة..!

 

-        مصر الآن رهينة بقبضة أيدي  خبراء صندوق النقد الدولي ..وخبراء صندوق السيادة الإماراتي...فلا غرابة بعد الآن في صمت هذه الدولة العربية،  أو تلك ..في المفهوم من الجو العام،  أن كل طرف في المنظومة العربية الفاعلة..له مصالح واثمان يريد قبضها..واتذكر بهذا الخصوص فيلما عربيا شاهدته خلال عام 1966 ، حينما كنت طالبا بالثانوية العامة في مدرسة الثانوية النهارية في رمسيس.بالقاهرة، وكان عنوان الفيلم " غرام في أغسطس" ولا اذكر أسماء أبطال الفيلم...حيث كان الناس على شط الإسكندرية، ثم حدث فجأة عراك بين المصطافين ..حيث نشبت بين بعضهم مشادات..وكان الكل مشغول  اما في حل المشكلة،  أو الدخول في المشادات سندا لطرف ضد طرف آخر..وما لفت نظري، ان كان هناك رجلان طاعنان في السن،  يجلسان على الشط..وحاول احدهم ان يعرف ما الذي جعل القوم  يقتتلون،  ويشتبكون بالايادي ..الا ان زميله.الاخر ،  عارضه وقال له " ما لنا وما لهم،  خلينا في موضوعنا" أي (سيبنا منهم خلينا في موضوعنا ) ...وما موضوعهم بالتأكيد،  سوى الفرجة على المصطافين،  وشرب الشاي...وسماع حكايات زمان بينهم سوية!

 

-        فمصر صبرت ونالت ...وما لها ، ومال وجع الراس، وحرب الابادة التي تجري، وما زالت قائمة..عند الجيران ...على يد جيران آخرين...!

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024