القطاع المصرفي الفلسطيني تحت الضغط : نمو ظاهري وبعض الاختلالات الهيكلية في توزيع الودائع والتسهيلات (2023–2025)

 


في ظل بيئة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، يواجه الاقتصاد الفلسطيني تحديات مركبة تشمل القيود على الحركة، تراجع النشاط الإنتاجي، وارتفاع مستويات المخاطر. وفي قلب هذه التحولات، يبرز القطاع المصرفي كمؤشر حيوي يعكس ديناميكيات الاقتصاد، بل ويسهم في تشكيلها. وتُظهر البيانات الصادرة عن سلطة النقد الفلسطينية للأعوام 2023–2025 وبدايات 2026 صورة مزدوجة: استقرار ظاهري ونمو مستمر من جهة، يقابله اختلال هيكلي عميق في توزيع الموارد من جهة أخرى.

أولاً: استقرار الودائع وثقة الجمهور

تشير البيانات إلى استمرار ثقة الجمهور بالجهاز المصرفي، حيث بلغت ودائع العملاء نحو 16.99 مليار دولار حتى شباط 2026، مقارنة بـ 16.8 مليار دولار نهاية 2025 و15.42 مليار دولار في 2024. ورغم التراجع الطفيف في عام 2024، إلا أن الاتجاه العام يبقى تصاعديًا، ما يعكس غياب سلوك الذعر المالي أو السحب الجماعي للودائع حتى في ظل الأزمات (جدول رقم 11).

غير أن هذا الاستقرار يخفي خلفه تمركزًا جغرافيًا واضحًا؛ إذ تتركز نحو 85% من الودائع في سبع محافظات في الضفة الغربية. وتتصدر محافظة رام الله والبيرة هذا التوزيع بحصة ثابتة تقارب 40%، حيث بلغت ودائعها في الربع الثالث 2025 حوالي 6.5 مليار دولار من أصل 16.376 مليار دولار.

وتتوزع بقية الودائع على المحافظات الست الأخرى على النحو التالي:

  • نابلس: 2.242 مليار دولار (13%)
  • الخليل: 1.797 مليار دولار (11%)
  • بيت لحم: 1.236 مليار دولار (8%)
  • جنين: 1.175 مليار دولار (7%)
  • طولكرم: 779 مليون دولار (5%)
  • قلقيلية: 366 مليون دولار (2%)

ويعكس هذا التوزيع تركّز النشاط الاقتصادي والمؤسساتي في مناطق محددة، ما يعزز من مركزية النظام المالي.

ثانياً: نمو التسهيلات المصرفية مع تمركز حاد

ارتفع إجمالي التسهيلات المصرفية إلى 12.83 مليار دولار في شباط 2026، مقارنة بـ 12.59 مليار دولار نهاية 2025، وبزيادة قدرها 642 مليون دولار عن عام 2024. وفي الضفة الغربية، بلغ رصيد التسهيلات في الربع الثالث 2025 نحو 11.87 مليار دولار، مقارنة بـ 11.05 مليار دولار في الربع نفسه من 2024، بزيادة تقارب 815 مليون دولار.

ورغم هذا النمو، فإن التوزيع الجغرافي يكشف عن تمركز أكبر من الودائع، حيث تستحوذ سبع محافظات على 92% من التسهيلات المصرفية، وتأتي رام الله والبيرة في الصدارة بحصة 64% (حوالي 7.59 مليار دولار في الربع الثالث 2025).

الأكثر دلالة أن هذه المحافظة استحوذت وحدها على نحو 97% من الزيادة في التسهيلات بين الربع الثالث 2024 و2025 (حوالي 784 مليون دولار من أصل 809 مليون دولار). في المقابل، شهدت محافظات أخرى تراجعًا في التسهيلات، مثل:

  • الخليل: انخفاض 8 مليون دولار
  • جنين: انخفاض 5 مليون دولار
  • قلقيلية: انخفاض 9 مليون دولار

بينما سجلت نابلس زيادة محدودة بلغت 48 مليون دولار فقط.

ثالثاً: انحياز متزايد نحو تمويل القطاع العام

تكشف البيانات عن تحول واضح في أولويات التمويل المصرفي. فقد ارتفعت التسهيلات المقدمة للقطاع العام من 2.72 مليار دولار في الربع الثالث 2024 إلى 3.345 مليار دولار في الربع الثالث 2025، بزيادة 625 مليون دولار (نمو 23%). وبذلك استحوذ القطاع العام على نحو 78% من إجمالي الزيادة في التسهيلات.

في المقابل، ارتفعت تسهيلات القطاع الخاص بشكل محدود من 9.285 مليار دولار إلى 9.466 مليار دولار، بزيادة 181 مليون دولار فقط (نمو 2%)، أي ما يمثل 22% من إجمالي الزيادة.

ويظهر تفصيل الزيادة أن: الحكومة الفلسطينية استحوذت على 620 مليون دولار من الزيادة،  والهيئات المحلية على 5 مليون دولار، مقابل 181 مليون دولار فقط للقطاع الخاص

ويعكس هذا الاتجاه تفضيلًا مصرفيًا لتمويل القطاع العام، سواء بسبب اعتبارات المخاطر أو طبيعة البيئة الاقتصادية، لكنه يأتي على حساب تمويل الاستثمار والإنتاج.

رابعاً: تحولات قطاعية نحو التمويل الاستهلاكي والخدماتي

على المستوى القطاعي، تظهر البيانات تحولًا في بنية التمويل المصرفي. فقد تراجعت التسهيلات في قطاعات إنتاجية رئيسية، أبرزها:

  • العقارات والإنشاءات: (انخفاض) 59 مليون دولار
  • تطوير الأراضي: (انخفاض) 96 مليون دولار
  • الزراعة وتصنيع الأغذية(: انخفاض) 9 مليون دولار
  • الصناعة والتعدين: (انخفاض) طفيف (1 مليون دولار)
  • الخدمات المالية(: انخفاض) 22 مليون دولار
  • تمويل المركبات(: انخفاض) 58 مليون دولار

في المقابل، ارتفعت التسهيلات في قطاعات أخرى:

  • التجارة:الداخلية والخارجية   زيادة  29 مليون دولار (أغلب الزيادة في التجارة الداخلية)
  • السياحة والفنادق: زيادة 6  مليون دولار
  • النقل والمواصلات: زيادة 22  مليون دولار
  • الخدمات الاستهلاكية والأعمال: زيادة  140 مليون دولار
  • الخدمات الأخرى: زيادة 103  مليون دولار
  • القروض الاستهلاكية : زيادة   23 مليون دولار
  • بنود أخرى غير مفصلة: زيادة 184 مليون دولار

 

·         ويشير هذا التحول إلى توجه البنوك نحو التمويل قصير الأجل والأقل مخاطرة، على حساب القطاعات الإنتاجية طويلة الأجل، ما قد يضعف قاعدة النمو الاقتصادي المستدام!

خامساً: فجوة متفاقمة بين الضفة الغربية وقطاع غزة

تُظهر البيانات فجوة جغرافية حادة في توزيع التسهيلات، حيث لم تتجاوز حصة قطاع غزة 7% من إجمالي التسهيلات في الربع الثالث 2025 (حوالي 945 مليون دولار)، مقارنة بـ 93% للضفة الغربية. كما سجلت التسهيلات في غزة تراجعًا فعليًا قدره 9 مليون دولار مقارنة بالعام السابق.

ويعكس ذلك ارتفاع المخاطر في القطاع، لكنه في الوقت ذاته يعمّق التفاوت الاقتصادي بين شطري الوطن ويحد من فرص التعافي المتوازن!

أما بخصوص ودائع قطاع غزة ، فقد كانت في شهر شباط من عام 2026 بمبلغ 5.17 مليار دولار،  بينما كان رصيد الودائع في الضفة الغربية في نفس التاريخ(شهر 2-2026) برصيد حوالي 17 مليار دولار.... أما رصيد الودائع في قطاع غزة في عام 2025 فقد بلغ 5.06 مليار دولار..اي بنسبة وقدرها 23% من المجموع الكلي للودائع في فلسطين عام 2025، بينما كانت الودائع لدى الضفة الغربية بنسبة 77% من المجموع الكلي المشار اليه أعلاه.!

·         بصورة عامة، لا يعاني القطاع المصرفي الفلسطيني من أزمة سيولة أو ثقة، بل يظهر قدرة واضحة على الاستمرار والتكيف، كما يتجلى في نمو الودائع والتسهيلات. غير أن هذا الاستقرار الكمي يخفي وراءه اختلالات بنيوية عميقة، تتمثل في: تمركز جغرافي حاد للودائع والتسهيلات،  انحياز متزايد نحو تمويل القطاع العام ، تراجع تمويل القطاعات الإنتاجية،  وفجوة متسعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة

·         إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحفاظ على الاستقرار المالي فحسب، بل في إعادة توجيه دور القطاع المصرفي ليكون أداة فاعلة في تحقيق التنمية المتوازنة. فاستمرار هذه الاختلالات قد يحول الاستقرار الحالي إلى حالة من الجمود الاقتصادي، بدلًا من أن يكون قاعدة لانطلاقة تنموية أكثر شمولًا وعدالة!

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة