الزراعة في فلسطين لم تعد مجرد إنتاج… بل أصبحت ساحة صراع:
اطلعت على
دراسة بحثية بعنوان" سياسة وممارسات
زراعة الافوكادو في الضفة الغربية ، التصورات الزراعية المتنازع عليها والمحاصيل
الناشئة من إعداد Fadia Panosetti فبراير 2026 ، وردتني من خلال دراسات جديدة ذات صلة بأبحاث الأستاذة الدكتورة المعروفة Sreemati Mitter ) ، صاحبة رسالة بحث
نالت درجة الدكتوراة في جامعة هارفارد بعنوان " تاريخ الأموال الفلسطينية من عام 1900 ولغاية
الان" صدرت عام 2014.
تعرض هذه
الدراسة الإطار النظري للصراع الدائر
عالميًا حول نماذج التنمية الزراعية، حيث لم تعد الزراعة مجرد قطاع إنتاجي، بل
ساحة صراع بين رؤى متناقضة حول الاقتصاد والبيئة والعدالة الاجتماعية. ، برز
انقسام واضح بعد عامي 2007-2008، بين اتجاهين رئيسيين: الأول تقني-إنتاجي يروّج
نسخ جديدة من “الثورة الخضراء” تركّز على رفع الإنتاجية عبر التكنولوجيا، والثاني
تحويلي يدعو إلى إعادة هيكلة العلاقات الزراعية عبر دعم صغار المزارعين، وتعزيز الزراعة البيئية، والسيادة الغذائية!
تنتقد
الدراسة كلا الاتجاهين، مبرزًا أن
المقاربات السائدة، ، اذ تتجاهل التعقيدات الحقيقية المرتبطة بالواقع الريفي: من حيث الطبقة، والنوع الاجتماعي، والتاريخ،
والصراعات السياسية!
في هذا
السياق، تطرح الدراسة سؤالًا محوريًا: اذ كيف يتخذ صغار المزارعين قراراتهم بين
النماذج الزراعية المختلفة؟ ولماذا؟ وهنا يأتي اختيار
الأفوكادو كمدخل تحليلي، بوصفه محصولًا عالميًا يعكس تحولات الطلب
والاستهلاك، ويكشف عن ارتباط الزراعة المحلية بسلاسل القيمة العالمية. وبذلك،
يمهّد هذا الجزء لفهم الزراعة كحقل سياسي-اقتصادي معقّد، وليس مجرد نشاط تقني، فقد
أصبحت فاكهة الأفوكادو واحدة من أكثر
المحاصيل الاستوائية تداولًا في العالم خاصة في نصف الكرة الشمالي!
ينتقل هذا الجزء من الإطار العالمي، إلى الحالة الفلسطينية، مقدمًا الضفة الغربية
كنموذج مكثف لتقاطع الاستعمار الاستيطاني، مع السياسات التنموية. اذ توضح الدراسة، أن الواقع الزراعي في فلسطين، لا يمكن فهمه بمعزل عن بنية الاحتلال، حيث
يُنظر إلى الاستعمار الاستيطاني ، كعملية مستمرة ، تهدف إلى السيطرة على
الأرض، والموارد ، مع إقصاء السكان
الأصليين!
هذا وتكشف
الدراسة، أن التحولات الزراعية في
فلسطين، ليست مجرد مسألة إنتاج أو تقنيات،
بل هي انعكاس لصراع أعمق على الأرض ، والموارد،
والسلطة، والمعرفة. ويُظهر تحليل
حالة الأفوكادو كيف يمكن لمحصول واحد ، أن يجسد ارتباط الزراعة المحلية بالاقتصاد
العالمي، وفي الوقت ذاته يعكس التوترات بين التبعية والتحرر.!
اعتمدت هذه الدراسة على عمل ميداني واسع، أُجري في فلسطين بين عامي 2015 و2019، إضافة
إلى إقامة بحثية أقصر في عام 2023. وقد جُمِع معظم المواد المستخدمة في هذا المقال
خلال صيف 2023، حيث أُجريت مقابلات شبه مُنظمة مع مزارعين في شمال الضفة الغربية،
وهي منطقة معروفة بإنتاج الأفوكادو. زرت مزارعهم، وشاركتهم أنشطتهم اليومية
واجتماعاتهم مع المؤسسات المحلية والمنظمات غير الحكومية، وهدفت هذه المقابلات إلى
فهم كيفية تأطير التنمية الزراعية في الخطابات الرسمية في السياق الفلسطيني.
أظهرت الدراسة
أن القطاع الزراعي الفلسطيني قد عانى طويلًا ، من التراجع بسبب سياسات التهجير ،
ونزع التنمية التي نفذتها إسرائيل لعقود، والتي قيّدت قدرة المزارعين والمجتمعات
الريفية، على الوصول إلى أراضيهم
وزراعتها، بينما شجعت في الوقت نفسه على هجرة اليد العاملة الفلسطينية إلى
إسرائيل. منذ 1967، دخلت المجتمعات الريفية الفلسطينية إلى الاقتصاد الإسرائيلي
كمصدر للعمالة الرخيصة—خاصة في قطاعات البناء والزراعة المدعومة—لبناء مساكن
للآخرين، وإنتاج سلع غذائية تُباع جزئيًا
بأسعار منخفضة في السوق الفلسطيني!
صُممت هذه
السياسات لجعل الزراعة الفلسطينية غير مجدية اقتصاديًا كمصدر للعيش، ودفع
المجتمعات الريفية للتخلي عن أراضيها، لتصبح هذه الأراضي عرضة لإعلانات
الدول، ونتيجة لذلك، تقلص القطاع الزراعي
بشكل حاد: بين 1970 و1987، انخفضت القوة العاملة في القطاع من 40% إلى 26%، ونسبة
مساهمة الزراعة في إجمالي الناتج المحلي للضفة الغربية من 35% إلى 19% ، ولم يتوقف
هذا التدهور بعد اتفاقيات أوسلو 1993، بل استمر؛ إذ تراجعت مساهمة الزراعة في
الناتج المحلي من 14% منتصف التسعينيات إلى 4.5% في 2014 !
وتشير الدراسة
الى أنه برغم توقيع اتفاقيات أوسلو بين القيادة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية
عام 1993 بهدف تحقيق سلام وازدهار في المنطقة. الا أن هذه الاتفاقيات من ناحية
عملية ، قد مثلت اعادة تشكيل قاتمة للسلطة الاستعمارية الاستيطانية على الأراضي
والاقتصاد الفلسطيني، والتي تعززت لاحقًا من خلال سياسات النيوليبرالية والمساعدات
الخارجية! ( التوجهات النيوليبرالية هي فلسفة سياسية واقتصادية، تهدف إلى تقليل تدخل الدولة في الاقتصاد،
وتعزيز دور القطاع الخاص، السوق الحر، والخصخصة)! ، مما أدى إلى زيادة التفاوت الطبقي، وقد كان الافتراض
الأساسي، أن النيوليبرالية والأسواق
ليست مضادة للتحرر، بل يمكن أن تسهم في تحقيقه. وباتباع هذا النموذج التنموي
المرتكز على السوق، أصبحت السلطة الفلسطينية متماشية مع موقف البنك الدولي، والدول
المانحة التي افترضت أن
“اليد الخفية للسوق ستقود الإسرائيليين والفلسطينيين نحو السلام!
أما على
المستوى الإقليمي، فقد قسمت هذه الاتفاقيات،
الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: A وB وC. تم وضع المنطقة C، التي تمثل أكثر من 60% من
الضفة، وتشمل معظم الأراضي الزراعية
والمناطق الريفية، تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، واستخدمت منذ ذلك الحين لبناء
مستوطنات جديدة وتوسيع القائمة، وإنشاء طرق حصرية للمستوطنين وجدار الفصل ، أما
السلطة الفلسطينية الجديدة، فقد مُنحت عمليًا سلطة محدودة على أرخبيل من المعازل
المتفرقة!.
أما على
المستوى الاقتصادي، فقد أظهر بروتوكول باريس 1994 (البروتوكول الاقتصادي لاتفاقيات
أوسلو) غموضًا حول ما إذا كان الطرفان يسعيان إلى الاندماج أو الانفصال الاقتصادي.
في حين تم تكريس حرية حركة السلع، ورأس
المال، كمبدأ أساسي، كانت حرية حركة
الأشخاص غائبة بشكل واضح. عمليًا، اذ زاد نظام الإغلاق الإسرائيلي، وسياسات التصاريح بعد أوسلو، من تقييد الحركة الفلسطينية وتعميق التبعية
الاقتصادية!
تم تحويل
الأرض تدريجيًا إلى مصدر للربح للفئة الرأسمالية الفلسطينية الناشئة، بينما
تم تهميش الزراعة، وتهميش صغار المزارعين،
وهو انعكاس لاتجاهات عالمية أوسع. بين 1994 و2000، لم يُخصص سوى حوالي 1.41% من
ميزانية السلطة للزراعة، وانخفض هذا الرقم إلى 0.74% في 2005، قبل أن يعود
تقريبًا إلى 1% بعد 2006....ومن ميزانية التنمية الزراعية الإجمالية، تم إنفاق
حوالي 85% على رواتب وزارة الزراعة !
يعرض هذا
المقال تحليلاً معمقاً للتحولات الجارية في الزراعة الفلسطينية، من خلال تتبّع
صعود زراعة الأفوكادو كنموذج تنموي وسياسي، وبذا يجمع الأفوكادو كمحصول
استراتيجي بين الربحية الاقتصادية والرمزية السياسية، حيث يُصوَّر كوسيلة لتعزيز
الصمود على الأرض وبناء مقومات الدولة. ويبيّن أن الزراعة في فلسطين، لم تعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت ساحة
مركزية لإعادة تشكيل العلاقات بين الأرض، السوق، والسياسة تحت شروط الاستعمار
الاستيطاني!
لكن هذا
التوجه يعكس في جوهره تبنّي نموذج نيوليبرالي يربط التنمية الزراعية بالأسواق
العالمية، ويعيد صياغة فكرة التحرر عبر آليات السوق، لا عبر فك الارتباط معها! ويكشف المقال عن مفارقة
تاريخية مهمة: فالأفوكادو، الذي أُدخل إلى فلسطين ضمن سياقات استعمارية، يُعاد
اليوم توظيفه كمحصول “سيادي”. إن هذا
الاستخدام الجديد، لا يخلو من التناقضات، إذ
يظل مرتبطاً ببنية اقتصادية غير متكافئة، وبشروط يفرضها الاحتلال!
أدى انتشار
زراعة الأفوكادو إلى تحولات بنيوية في الريف الفلسطيني، أبرزها: توسع المزارع
الكبيرة نسبياً، تزايد الاعتماد على الأراضي المستأجرة، دخول مستثمرين ورجال أعمال إلى القطاع
الزراعي، تراجع دور المزارعين بالمشاركة،
وبذلك، تتحول الأرض تدريجياً من فضاء للعيش الجماعي إلى أصل اقتصادي للتراكم
الخاص، ما يعكس عملية إعادة هيكلة طبقية في الريف!
اضافة الى
ذلك، يعتمد نموذج الأفوكادو على الزراعة الأحادية، وكثافة استخدام الموارد، خاصة المياه. ورغم ما
يحققه من أرباح نسبية، إلا أنه ينطوي على مخاطر كبيرة: هشاشة بيئية نتيجة استنزاف
التربة والمياه ،وقابلية عالية للفشل في حال تقلبات مناخية أو سوقية ، وتعميق
التبعية للأسواق الخارجية ، كما أن محدودية حاجته للعمالة تقلل من قدرته على خلق
فرص عمل، ما يضعف أثرها التنموي الشامل
يطرح المقال
نقداً جوهرياً لفكرة تحقيق السيادة من خلال الاندماج في الأسواق العالمية. فبينما
يُقدَّم الأفوكادو كوسيلة للتحرر، فإنه: يعزز منطق الربح والتنافس، يكرّس الاعتماد على التصدير ، يعيد إنتاج
التفاوتات الاجتماعية ، وبالتالي، تتحول “السيادة” هنا إلى مفهوم ملتبس، يقع بين
الاستقلال الاقتصادي النسبي للتبعية البنيوية!
في مواجهة هذا
النموذج، برزت حركة متنامية للزراعة الإيكولوجية، تسعى إلى: استعادة السيطرة على
البذور والأرض، و تقليل الاعتماد على
المدخلات الخارجية، بناء نظم غذائية محلية
عادلة، وتمثل هذه المبادرات رؤية بديلة تقوم على: التضامن المجتمعي، المعرفة المحلية ، الاستدامة البيئية ، وترى في الزراعة فعلاً تحررياً يومياً، وليس
مجرد نشاط اقتصادي.
يؤكد المقال أن كل هذه التحولات تحدث ضمن سياق استعماري يفرض: قيوداً على
الأرض والمياه، عنفاً مباشراً (مصادرة،
اقتلاع، تدمير)، تدميراً ممنهجاً للبنية
الزراعية ، وبالتالي، تصبح الزراعة نفسها: فعل بقاء ومقاومة في ان واحد! ....كما
أن تدمير أكثر من 98% من الأراضي الزراعية في غزة، وتصاعد العنف الاستيطاني في
الضفة، يعكسان استراتيجية تهدف إلى: تدمير أسس الحياة المادية ، السيطرة على الأرض ، وقد لخص أحد الكتّاب ذلك بقوله:" يُنظر إلى المزارعين الفلسطينيين كعائق يجب إزالته!
فالحالة
الفلسطينية ليست استثنائية، كما تشير الدراسة ، بل تعكس أزمة زراعية عالمية أوسع
ناتجة عن: السياسات النيوليبرالية، إهمال
الزراعة، منطق (ما بعد) الاستعمار ، وقد
أدت هذه العوامل إلى: إفقار صغار المزارعين،
تحويلهم إلى عمالة هشة أو فقراء حضريين، لكن في الضفة الغربية، تتخذ هذه
الأزمة شكلاً أكثر عنفاً، حيث تصبح الزراعة نفسها جزءاً من الصراع الاستعماري،
ويجد المزارعون أنفسهم فعلياً:
انهم يزرعون في
الخط الأمامي”!
وتخلص الدراسة الى أن مستقبل
الزراعة الفلسطينية لن يُحسم بنوع المحصول، بل بطريقة الإجابة عن أسئلة جوهرية: من
يملك الأرض؟ و كيف تُدار الموارد؟ وما الغاية من الإنتاج: الربح أم
الاستمرار؟ وبين هذين المسارين، يتحرك
المزارعون الفلسطينيون — ليس كضحايا أو نماذج مثالية — بل كفاعلين يعيدون تشكيل
واقعهم يومياً، في ظل ظروف شديدة التعقيد!
تعليقات
إرسال تعليق