هيمنة الدولار وصعود عملات الاحتياطيات غير التقليدية...هل بدأت شمس الدولار بالأفول

 


 هل بدأت شمس الدولار بالأفول؟

      الجزء الاول

 

-        في قديم الزمان ، ومنذ بداية التجارة والتمويل الدولي، كانت هناك عملات احتياطية عالمية، مثل الجلدر الهولندي ، الذي ساد خلال الفترة من القرن السابع عشر الى أوائل القرن التاسع عشر..وتلاه الجنيه الاسترليني، الذي ساد في القرن التاسع عشر وحتى اوائل القرن العشرين ، ثم جاء الدولار ، الذي اكتسب الهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية.

-        تربع  الدولار الأمريكي، عرش  أسواق المال الدولية... كعملة رسمية للاحتياط النقدي منذ عام 1944 ، حين تم اعتباره بهذه المكانة.. كعملة رسمية للاحتياطي النقدي ، من قبل الدول المشاركة  في اتفاقية "بريتون وودز" ، وبقي طيلة هذه العقود حتى وقت قريب ، يشكل أساسا  لمرجعية التعامل النقدي في العالم،  لأكثر من 85%   من المعاملات المالية الدولية، كما أن حوالي 66% من الاحتياطيات التي تحتفظ بها البنوك المركزية في العالم ، كانت بهذه النسبة، الى وقت قريب،  هي بالدولار....كما يربط عدد كبير من الدول ، أسعار صرف عملاتها ، بتلك العملات الاحتياطية العالمية ، التي تهيمن على سلة العملات الأخرى ، التي تشكل احتياطيات البنوك المركزية،   من العملات الأجنبية..وتستخدم بشكل واسع ، خارج بلدانها الأصلية، في المعاملات المادية، وكذلك من قبل الأسواق المالية الدولية، في العقود والتداولات والأدوات المالية. كما  ويدخل الدولار في معظم معاملات الديون العالمية،  والائتمان الدولي ، وسداد المستحقات، والتسويات الدولية..وفي تعامل المؤسسات المالية الدولية،  مثل صندوق النقد الدولي،  والبنك الدولي،  الذي تشارك فيه كافة دول العالم ، وكياناتها المالية  تقريبا .. وكذلك يدخل الدولار في الاستخدام الواسع له  في تسعير السلع والتجاره العالمية..الخ .....حتى أصبح الدولار نسر العملات، والاسواق المال العالمية..حتى بعد تحلل الدولار من الغطاء الذهبي كضمانة في عام 1971..!

      إلا أنه،  وفي العقود الثلاث الاخيرة، اصبحت هيمنة الدولار،  موضع نقاش،  بسبب التحولات في موازين القوة الاقتصادية،  وبروز الصين،  كمنافس قوي للولايات المتحدة، والتحولات التقنية التي سهلت التعاملات المالية الرقمية، وصعود العملات المشفرة، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية،  التي جعلت بعض الدول تبحث عن بدائل للدولار الأميركي. وعاد النقاش حول الموضوع إلى السطح أخيراً،  مع الحرب الأوكرانية،  والعقوبات الصارمة التي فرضتها الولايات المتحدة،  والدول الغربية على روسيا..

      ان النقاش للبحث عن بديل لعملة الدولار ، ليس حكرا على الدول الخصوم للولايات المتحدة، بل هناك من داخل دول الغرب نفسه، من بدأ بالنقاش مبكرا،  في هذا الموضوع،  مثل بريطانيا واوروبا...فعلى سبيل المثال،  دعا مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا (السابق)، في خطاب ألقاه عام 2019 ، أمام اجتماع لمديري البنوك المركزية العالمية،  في بلدة جاكسون هول الأميركية، إلى إنهاء سطوة الدولار الأميركي،  على النظام المالي العالمي، باعتباره عملة الاحتياطي النقدي الرئيسية. وقال إن هذه السطوة بلغت مرحلة،  أصبحت معها تشكل عائقاً أمام انتعاش اقتصادي عالمي مستدام...!

      وكان بذلك يشير إلى أن الكثير من الدول حول العالم ، تحتفظ بمبالغ ضخمة من الاحتياطي النقدي بالدولارات،  لتأمين نفسها في الأوقات المضطربة، ما يعني تكدس الكثير من الأموال، التي كان يمكن أن تستخدم في دورة التجارة،  والاقتصاد العالميين. إضافة إلى ذلك،  فإن الدولار يستخدم كنظام دفع ، في نصف فواتير التجارة الدولية على الأقل، وبالتالي فإن العديد من الدول،  تصبح عرضة لتداعيات غير مباشرة،  من التقلبات في الاقتصاد الأميركي،  وفي قيمة الدولار.!

      ورأى كارني،  أنه يمكن استبدال الدولار،  واستخدام عملة رقمية عالمية،  تتبناها البنوك المركزية في دول مختلفة. وقال إن هذه العملة الرقمية "يمكن أن تثبط التأثير المهيمن للدولار الأميركي على التجارة العالمية" . فإذا ارتفعت حصة التجارة التي يتم تحرير فواتيرها بهذه العملة الرقمية الجديدة، فإن الصدمات التي تحدث داخل الولايات المتحدة،  ستكون آثارها أقل قوة (على الدول الأخرى).!

      وذكر أيضاً،  أن عملة رقمية عالمية مدعومة من مجموعة كبيرة من الدول،  ستطلق الأموال التي تخزنها الحكومات حالياً بالدولار،  كبوليصة تأمين في الأوقات المضطربة. وشبّه الانتقال من الدولار، إلى عملة رقمية عالمية جديدة ، بنهاية سيطرة الجنيه الاسترليني على أسواق المال العالمية قبل 100 عام...!

      منذ خطاب كارني،  الذي أثار اهتماماً واسعاً، تحدث كثيرون عن موضوع العملات الرقمية،  ومستقبل الدولار الأميركي. ففي بداية فبراير (شباط) الماضي 2022،  ألقت مديرة صندوق النقد الدولي ، كريستالينا جورجيفا ، كلمة أمام «مجلس أتلانتيك» البحثي في واشنطن،  حول مستقبل النقود،  وصعود مفهوم العملات الرقمية. وقالت إن العالم تجاوز مرحلة المناقشات حول الفكرة،  وبلغ مرحلة التجريب للعملات الرقمية..!

      أما في أوروبا ، فقد خلق الاتحاد الأوروبي،  مجموعة من الآليات،  التي لجأت  إليها دول الاتحاد الأوروبي،  لتجاوز آلية العقوبات الأمريكية،  التي يتم فرضها على بعض الدول، ومنها آلية دعم التبادل التجاري (INSTEX)، التي طورها الاتحاد الأوروبي،  للحفاظ على قنوات التجارة مع إيران،  بعد انسحاب الولايات المتحدة،  من خطة العمل الشاملة المشتركة..!

      ان  الاستخدام المفرط لآلية العقوبات ،استنادا الى  الوجود العالمي للدولار، منح  الولايات المتحدة،  أداة قوية في السياسة الخارجية،  إلا أن  هذا الاستخدام المفرط للعقوبات،  يحمل في طياته مخاطر كبيرة،  على المدى الطويل، لأنه قد يشجع حتى حلفاء الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، كما أشرنا سابقا،  على تقليل اعتمادهم على الدولار. كما يمكن أن يؤدي إلى إنشاء نظام مالي بديل،  وهو ما يجري الآن ، مما يقوض الأهداف والآليات التي يعمل من خلالها نظام العقوبات الحالي. وقد أشار أحد الخبراء الى تبني  مجموعة من الآليات التي لجأت إليها الدول،  لتجاوز آلية العقوبات الأمريكية، كما أشرنا  أعلاه،  وعلى الرغم من احتمال فشل  تلك الآلية،  في تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة؛ إلا أنها تكشف عن اتجاه في طريقه للنمو،  لإنشاء بنية مالية موازية تستبعد الدولار. وإن كانت تلك الآلية تعد ظاهرة للعلن، إلا أن الأكثر خطورة هو سعي الصين لإنشاء عملة مشفرة مدعومة من الدولة، يمكن إخفاء هويتها، وبالتالي حماية المشاركين من العقوبات، مما يوفر وسيلة بديلة للسلع والأموال للتنقل عبر الحدود، وهو ما يوفر للشركات حلاً بديلاً موثوقاً للنظام المالي الدولي، وتقويض ميزة رئيسية لوضع الاحتياطي الدولار..

 

      الوضع الحالي للدولار

-        على الصعيد العملي، بدأ انخفاض  حصة الدولار،  من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية ، منذ عقدين من الزمن ، لكنها لا تزال مستخدمة أكثر من جميع العملات الأخرى مجتمعة..! .إذ لعب الدولار الأمريكي منذ فترة طويلة،  دورًا كبيرًا في الأسواق العالمية. ولكن على الرغم من أن وجود العملة في التجارة العالمية،  والدين الدولي،  والاقتراض غير المصرفي،  لا يزال يفوق بكثير،  حصة الولايات المتحدة في التجارة وإصدار السندات،  و الاقتراض والإقراض الدولي،  ، فإن البنوك المركزية لا تحتفظ بالعملة الأمريكية في احتياطياتها إلى الحد الذي فعلوا ذات مرة....!

-        هذا وقد اوردت التقارير والاحصائيات الدولية في الاونة الاخيرة، ان حوالي 59% من احتياطيات العملات الاجنبية ، محفوظة في الوقت الحالي  بالدولار..وحوالي 20% باليورو، و6% بالين الياباني، و5% بالجنيه الاسترليني، اما حصة اليوان الصيني او "الرنمينبي" اقل من 3%..

-        وهذا ما تفيد به  الاحصائيات والبيانات المالية  الصادرة في الأشهر القليلة الماضية من هذا العام(2022)، اذ اظهرت  ان حصة الدولار،  قد انخفضت من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية،  إلى أقل من 59 %،  في الربع الأخير من العام الماضي ( 2021) وهو أدنى مستوى على مدار 25 عاما ، امتدادا الانخفاضات  خلال العقدين الأخيرين ، وفقًا لبيانات تكوين العملات الرسمية،  لاحتياطيات النقد الأجنبي الصادرة عن صندوق النقد الدولي. COFER)  )

-        وهناك  مثال على التحول الأوسع في تكوين احتياطيات النقد الأجنبي ، اذ  كشف بنك إسرائيل مؤخرًا ، عن استراتيجية جديدة لـ احتياطياته التي تزيد عن 200 مليار دولار. وبدءًا من هذا العام (2022)، سيتم تخفيض   حصة الدولار الأمريكي،  وزيادة مخصصات المحفظة،  الدولار الأسترالي،  والدولار الكندي،  و الرنمينبي الصيني،  والين الياباني.

-        كما وجاء في وثائق ملحقة في  ورقة عمل حديثة لصندوق النقد الدولي ، بإن الدور المقلص للدولار الأمريكي،  لم يقابله زيادات في أسهم العملات الاحتياطية التقليدية الأخرى مثل اليورو،  والين،  والجنيه.! علاوة على ذلك ، في حين كانت هناك بعض الزيادة في حصة الاحتياطيات المحتفظ بها بالرنمينبي ، فإن هذا لا يمثل سوى ربع التحول بعيدًا عن الدولار في السنوات الأخيرة ، ويرجع ذلك جزئيًا إلى حساب رأس المال الصيني المغلق نسبيًا. علاوة على ذلك ، يُظهر تحديث البيانات المشار إليها في ورقة العمل،  أنه اعتبارًا من نهاية العام الماضي 2021، احتفظت دولة واحدة،   وهي  روسيا،  بما يقرب من ثلث احتياطيات الرنمينبي في العالم.!

-        في مقابل  ذلك ، فإن عملات الاقتصادات الأصغر،  التي لم تظهر تقليديًا بشكل بارز في المحافظ الاحتياطية ، مثل الدولار الأسترالي،  والكندي،  والكرونا السويدية،  والوون الكوري الجنوبي ، تمثل ثلاثة أرباع التحول من الدولار.، وقد فسر ذلك، بأن هناك عوامل تميز مثل هذه العملات، ومنها انها تجمع عوائد اعلى وتقلبات اقل نسبيا،  يشكل عامل جذب بشكل متزايد لمديري احتياطيات البنك المركزي ..، بالاضافة الى التقنيات المالية الجديدة، تجعل تداول عملات الاقتصادات الأصغر ، أرخص وأكثر سهولة..!

-        وهناك عامل اخر  والأكثر منطقية،  وهو أن هذه العملات الاحتياطية غير التقليدية ، تصدرها دول لديها حسابات رأس مال مفتوحة،  وسجلات تتبع سياسات سليمة ومستقرة.!

-        كتب كل من سيركان ارسلانالب، وباري ايشنجرين، وشيما سيمبسون ، مقالا بعنوان  "هيمنة الدولار وصعود عملات الاحتياطيات غير التقليدية" على  "مدونة  صندوق النقد الدولي"...بتاريخ 1-6-2022، جاء فيه :

·        أن الجدل حول مستقبل النظام النقدي الدولي،  لن يتوقف، لا سيما مع احتدام صراع النفوذ الدولي، والهجمة المتوقعة على الدولار في عصر العملات الرقمية القادم، والتحركات المتزايدة بين عدد من الدول،  بينها روسيا والصين والهند،  للقيام بمعاملاتهم التجارية المشتركة،  بالروبل واليوان والروبية. !

·       الواقع أن هيمنة الدولار،  بدأت تواجه تساؤلات منذ فترة طويلة؛ إذ عمدت عدة دول بالفعل إلى تنويع احتياطياتها النقدية باللجوء إلى اليورو والاسترليني والين وأخيراً اليوان. وانخفضت حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي العالمية من نحو 70%،  في مطلع القرن الحالي،  إلى نحو 59% بنهاية العام الماضي، كما اسلفنا ،  لكن حتى الآن لا يوجد بديل يمكن أن يقال أنه سيزيح الدولار من مكانه..!.. حتى اليوان،  الذي يعتمد على القوة الاقتصادية الهائلة للصين، لا يمثل بديلاً ، في نظر أغلب الدوائر المالية العالمية، وذلك بسبب المخاوف التقليدية من أن طبيعة السلطة المركزية في بكين،  تعني أنها يمكن أن تصدر قرارات،  تؤدي إلى تقلبات في أسعار العملة، إضافة إلى غياب عنصر الشفافية.!

·       فحتى نهاية يناير (كانون الثاني) 2022 مثلا ، كان احتياطي العملات الأجنبية التي تحتفظ بها روسيا يقدر بنحو 469 مليار دولار. وكان الرئيس فلاديمير بوتين ، يأمل أن يشكل هذا الاحتياطي ضمانة لبلاده،  من آثار أي عقوبات غربية،  بعد الدرس الذي تلقاه إثر اجتياحه لمنطقة القرم عام 2014. لكن حساباته لم تكن دقيقة،  إذ جاءت العقوبات هذه المرة،  أقسى وشملت احتياطات البنك المركزي الروسي الموجودة في الخارج، الأمر الذي حرم موسكو،  من نصف احتياطياتها من النقد الأجنبي، ووضع لها عراقيل جدية أمام تجارتها الدولية...!

·       هذا الوضع لم ينعكس على روسيا وحدها، بل أرسل إشارات إلى دول أخرى مثل الصين،  التي تراقب حرب أوكرانيا وتداعياتها، وتدرك أنها ربما تكون مستهدفة في المستقبل بعقوبات أميركية،  في ظل الصراع المحتدم بينها وبين واشنطن على النفوذ،  وعلى موقع الصدارة في الاقتصاد العالمي. ان  تجميد الاحتياطيات الأجنبية لروسيا،  يعني أن هذه الاحتياطات لا توفر ملاذاً آمناً، وبالتالي فإن دولاً أخرى،  قد تفكر في أن تنويع الاحتياطات بالنقد الأجنبي،  يعطيها ضمانات أكبر من وضع كل بيضها في سلة الدولار...!!

·       هناك من يرى أن التحدي الأقوى للدولار،  ربما يأتي مستقبلاً من العملات الرقمية. ففي الوقت الراهن هناك 100 دولة ، تدرس إمكانية استخدام عملات رقمية، وتمثل هذه الدول 90% تقريباً من الناتج الإجمالي العالمي.!

·       هذا وفي ظل رواج الاقتصاد الرقمي، اكتسبت العملات الافتراضية المشفرة،  المزيد من الاهتمام من جانب المستثمرين عبر التعاملات الرقمية....وقد شجع طرح العملات المشفرة من قبل الشركات،  بعض الدول على التفكير في إصدار العملات المشفرة ، كبديل عن النظام المصرفي التقليدي. ففي العام الماضي، قام محافظ بنك إنجلترا "مارك كارني" باقتراح أن تقوم البنوك المركزية بشكل مشترك،  بإنشاء عملة افتراضية،  لتكون بمثابة العملة الاحتياطية العالمية كبديل للدولار!

·       المصادر: مدونة صندوق النقد الدولي، خبراء صندوق النقد الدولي، مراكز ابحاث متقدمة، باحثين، وصفحات انترنيت متخصصة ، ومقالات ذات صلة لكتاب واقتصاديين...

 

 

·       يتبع الجزء الثاني ....

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024