المتقاعدون والأيتام والأرامل في مواجهة البنوك: التاريخ المالي الفلسطيني(1917-1948)
·
في مقال للباحثة
الدكتورة سريميتي ميتر، الاستاذة المساعدة في تاريخ الشرق الاوسط والشؤون الدولية
بجامعة براون، بعنوان " المتقاعدون والايتام والارامل في مواجهة البنوك :
التاريخ المالي الفلسطيني (1917-1948) ، والمنشور في مجلة الدراسات الفلسطينية
بتاريخ 13-7 -2021 ، حاولت الباحثة في دراستها
، تصحيح حالة الصمت التي أحاطت بعمليات المصادرة
المتعمدة، التي قامت بها القوات البريطانية والإسرائيلية، للأصول
المالية الخاصة بالفلسطينيين. ومن خلال وضع قصص الفلسطينيين العاديين في مركز
التحليل، تستكشف الدراسة كيف جرى تجريدهم من حساباتهم المصرفية، وسنداتهم،
وأسهمهم، ومعاشاتهم التقاعدية، ورواتبهم، وصناديق الودائع الآمنة خلال مرحلتي
إنشاء وإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين (في عامي 1917 و1948). وتجادل الدراسة
بأن البنية المالية الأساسية للاستعمار، التي تحرم الشعوب المُستعمَرة من حماية
المؤسسات المصرفية السيادية، قد سهّلت هذه عمليات السلب. كما تشير إلى أن القواعد
المالية التي يُفترض أنها محايدة، قد شكلت
غطاءً يبرر هذه المصادرات. واستنادًا إلى أبحاث أرشيفية، وتاريخيات شفوية، تقدم الدراسة تاريخًا
اجتماعيًا جديدًا للمال ، يركز على تجارب، ووعي الفلسطينيين غير النخبويين الذين سعوا
للدفاع عن أنفسهم، وتأكيد حقوقهم، فرديًا
وجماعيًا، خلال لحظات مفصلية من الاضطراب والعنف والانقطاع التاريخي، ومن بعض هذه
التجارب، ما يلي:
·
في فبراير/شباط 1936،
رفع فلسطينيان متقاعدان من مدينة حيفا، هما كليمنت منّي وأنيس منصور، دعوى قضائية
ضد صاحب عملهما السابق، وهو بنك “أوتومان” المملوك للبريطانيين، متهمين إياه
بالاستيلاء على جزء من رواتبهما ومعاشاتهما المستحقة على مدار ما يقارب عقدين من
الزمن.¹ وادعى المتقاعدان أن البنك كان يستخدم سعر صرف غير صحيح عند تحويل
رواتبهما من الليرات التركية إلى الجنيهات المصرية-الأنغلوية منذ ديسمبر/كانون
الأول 1917، حين احتلت القوات البريطانية فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى،
واستنادًا إلى قوانين أموال العدو في زمن الحرب التي أقرها البرلمان البريطاني على
نحو انتقائي، تم حظر العملة العثمانية في جميع المناطق الخاضعة لسيطرتها.
·
بعد أربع سنوات، في
أبريل/نيسان 1940، كتب شقيقان من بيت لحم يصفان نفسيهما بأنهما يتيمان، وقدّما
اسميهما فقط: “محمد ومنور، ابنا بيكار، زوجة أحمد”، إلى المندوب السامي، وهو أعلى
مسؤول استعماري في فلسطين الانتدابية، مطالبين بالإفراج عن حساب مدخرات والدتهما
الراحلة من البنك الزراعي العثماني.² وادعى اليتيمان أن ميراثهما “ظل لدى الخزينة
البريطانية” منذ ديسمبر/كانون الأول 1917—وهو التاريخ نفسه الذي بدأت فيه قضية
متقاعدي حيفا—حين أغلقت القوات البريطانية المؤسسة العثمانية بالقوة، واستولت على أصولها، مستندة إلى القوانين ذاتها
الخاصة بأموال العدو ، التي استخدمتها لتبرير حظر العملة العثمانية.
·
بعد ثماني سنوات، في
نوفمبر/تشرين الثاني 1948، تقدم تاجران من حيفا، هما خالد خبازة ومصطفى عويدة،
بعريضة إلى دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، مطالبين بالإفراج عن
حساباتهما المصرفية وصناديق الودائع الآمنة في البنك العثماني.³ وادعى التاجران أن
أصولهما جُمّدت امتثالًا للوائح الطوارئ الخاصة بأموال العدو، التي أصدرتها الحكومة الإسرائيلية الجديدة بسرعة
في يونيو/حزيران 1948، بعد شهر من انتهاء الانتداب البريطاني.
·
في يونيو/حزيران
1951، أرسلت مجموعة من خمسة لاجئين فلسطينيين، عرّفوا أنفسهم باسم “لجنة حاملي
سندات فلسطين”، عريضة إلى العاهل البريطاني جورج الخامس، طالبوا فيها بتدخله من
أجل استرداد سنداتهم لحاملها في فلسطين، والتي قالوا إنها جُمّدت منذ يونيو/حزيران
1948 بموجب القوانين الإسرائيلية نفسها التي لم تعد تُعتبر “إجراءات طوارئ”، بل
تحولت إلى قوانين أملاك الغائبين التي أقرها البرلمان الإسرائيلي.
·
وفي عام 1952، رفعت
بهية بركات، وهي أرملة من يافا، ووهبة جباي، وهو طبيب متقاعد من يافا
أيضًا—وكلاهما لاجئ منذ عام 1948—دعويين منفصلتين ضد بنكَي باركليز وأوتومان
البريطانيين، للمطالبة بالإفراج عن حساباتهما المصرفية التي جُمّدت بموجب قوانين
أملاك الغائبين الإسرائيلية نفسها، مثلما حدث مع سندات لحاملها وحسابات تجار حيفا.
·
ولا يُعرف الكثير عن
هذه “المآسي المالية”، كما وصفها حاملو السندات في رسالتهم إلى الملك البريطاني،
رغم أن كل واحدة منها تمثل عنصرًا أساسيًا، في لحظتي الانقطاع التاريخي، والعنف، وتغيير النظام اللتين تحددان تاريخ فلسطين في
القرن العشرين: ديسمبر/كانون الأول 1917، عندما انتقلت فلسطين من الحكم العثماني
إلى الانتداب البريطاني؛ ومايو/أيار 1948، عندما سيطرت عليها الدولة الإسرائيلية
الناشئة.⁶
·
وقد ركزت الدراسات
الاقتصادية لتاريخ فلسطين خلال فترة الانتداب بشكل رئيسي على قضايا مديونية
الفلاحين، وتوفير الائتمان، إضافة إلى
أسواق الأراضي، وظروف العمل. كما حظيت
مسألة الاستيلاء المستمر، منذ عام 1948، على الممتلكات العقارية الفلسطينية مثل
البيوت والأراضي الزراعية، والمحاصيل
بنصيب الأسد من الاهتمام. غير أن سرقة الممتلكات المالية الخاصة بالفلسطينيين،
سواء من قبل القوات البريطانية أو الإسرائيلية، بقيت إلى حد كبير خارج نطاق البحث،
باستثناء ما وثقه أولئك اليتامى والأرامل والأطباء والتجار وحاملو السندات وغيرهم
ممن خاضوا سنوات طويلة من النضال لاسترداد أموالهم دون نجاح.
·
هناك عدة تفسيرات
لهذا الإهمال في دراسة مسألة نزع الملكية المالية من الفلسطينيين. فقد طغت
السرديات الفردية عن الخسارة على التركيز الجيوسياسي الواسع الذي يهيمن على جزء
كبير من التأريخ الفلسطيني (والإسرائيلي منذ عام 1948)، والذي ينشغل بالدول والنخب
وسياسات القوى الكبرى. كما أن سرقة الممتلكات المالية الخاصة غالبًا ما كانت تتعلق
بمبالغ صغيرة نسبيًا: فقد بلغت تركة اليتيمين ثلاثة عشر جنيهًا فلسطينيًا؛ وكانت
معاشات المتقاعدين الشهرية عشرة جنيهات فلسطينية؛ بينما كانت قيمة كل سند لحامله
عشرة جنيهات فلسطينية. إن ضخامة حدث النكبة ، طغت على هذه الخسائر “العادية” لكنها
المدمرة. كما أن محاولات البريطانيين والإسرائيليين لإخفاء ممارساتهم المالية غير
المشروعة أدت إلى سجل أرشيفي مجزأ ومتناثر.
·
وأخيرًا، فإن ضحايا
هذه الجرائم كانوا أشخاصًا عاديين لم ينتموا إلى النخب الاقتصادية أو الاجتماعية
والسياسية في فلسطين، كما أنهم لم يكونوا من الفلاحين الذين يشكل تاريخ مديونيتهم،
ونزع ملكيتهم، وتشريدهم جزءًا أساسيًا من السردية الفلسطينية.
·
ومع ذلك، فإن قصص
هؤلاء الفلسطينيين العاديين والمحرومين من القوة، الذين كافحوا عبر الدعاوى
القضائية، والالتماسات من أجل استرداد
ممتلكاتهم، تستحق أن تُعرف وتُدرس، ليس فقط لأهميتها في ذاتها، بل لثلاثة أسباب
أوسع:
·
أولًا: إنها تكشف سطحية
الأدبيات القائمة حول الفجوة في النمو الاقتصادي بين القطاع اليهودي الأوروبي
والقطاع الفلسطيني خلال فترة الانتداب وبعدها، وهي أدبيات تلجأ غالبًا إلى تفسيرات
ثقافية غير مقنعة للحديث عن “تخلّف” الفلسطينيين أو افتقارهم إلى الخبرة المالية
مقارنة بنظرائهم اليهود. وتتجاهل هذه الأدبيات كيف أن الاستعمار البريطاني
والصهيونية، والعمليات المتداخلة لإنهاء الاستعمار وبناء الدولة الإسرائيلية، قد
دمّرت بشكل مباشر المدخرات والاستثمارات المالية الفلسطينية الخاصة، وبالتالي
الأساس ذاته الذي كان يمكن أن يشكل اقتصادًا فلسطينيًا ما بعد استعماري سليمًا؛
فمع أن المبالغ في كل حالة كانت صغيرة، إلا أنها مجتمعة بلغت ملايين الجنيهات.
·
ثانيًا: توفر هذه القصص بيانات تجريبية غنية، تدعونا إلى أخذ الأثر المالي للاستعمار على
الشعوب المستعمَرة بجدية. فهي تُظهر مدى
سهولة تقويض حقوق الملكية الخاصة للمستعمَرين، بسبب غياب مؤسسات مالية وقانونية سيادية، يمكن للمصادرة أن تلجأ إليها طلبًا للإنصاف.
ففي كل حالة، لم يكن أمام الضحايا خيار سوى توجيه شكاواهم إلى الجهة نفسها—الأكثر
قوة بكثير منهم—التي صادرت ممتلكاتهم: البنوك البريطانية؛ رئيس الوزراء
الإسرائيلي؛ المندوب السامي البريطاني؛ العاهل البريطاني؛ والمحاكم البريطانية. لم
تكن هناك سلطة نقدية مستقلة ، كان يمكن أن تضمن الحساب الصحيح لأسعار الصرف في عام
1917 أو أن تلغي حظر العملة العثمانية، وبالتالي تحمي رواتب ومعاشات المتقاعدين.
ولم تكن هناك سلطة مصرفية تمنع تصفية البنك الزراعي العثماني من قبل البريطانيين
في عام 1917، وبالتالي تحمي ميراث اليتيمين. ولم يكن هناك بنك مركزي يأمر بنكَي
باركليز وأوتومان بتجميد حسابات الفلسطينيين في عام 1948، أو يعتبر الأمر
الإسرائيلي غير قانوني منذ البداية.
·
ثالثًا، والأهم ربما: تكشف هذه القصص كيف
أن قواعد ومعايير النظام المالي، بما يُفترض فيها من حياد وكفاءة وشرعية وموضوعية
علمية، منحت هذه الوقائع طابعًا من “الشرعية الظاهرة”، وقدّمت عمليًا غطاءً لتبرير
نزع الملكية. فقد ساهمت أنظمة “أموال العدو”، وقوانين “أملاك الغائبين”، وقواعد
أسعار الصرف الثابتة مقابل العائمة، والقواعد المنظمة لتحويل الالتزامات غير
المطالب بها، في تسهيل تجميد الأصول المالية الفلسطينية وتصفيتها ثم نقلها. إن
طبيعة هذه الأصول نفسها—كونها غير ملموسة وسهلة التحويل—إلى جانب تعقيد القواعد
المالية المستخدمة للاستيلاء عليها، جعلت
عمليات السرقة البريطانية والإسرائيلية أكثر خفاءً.
·
ولا نعرف ما إذا كان
منّي ومنصور قد حصلا على أي تعويض أو استرداد لسنوات الرواتب والمعاشات المحسوبة
بشكل خاطئ. ولا نعرف ما إذا كان محمد ومنوّر، اليتيمان من بيت لحم، قد استعادا
وديعة والدتهما الراحلة. كما لا نعرف ما إذا كان تجار حيفا، خبازة وعويدة، قد
تمكنوا من الوصول إلى أموالهم، أو ما إذا كانت قيمة السندات والفوائد المستحقة
لحاملي سندات فلسطين قد سُددت أصلًا. إن
الأرشيف الاستعماري صامت بشأن كل هذه القضايا؛ وقد اختفت هذه القضايا من السجلات،
كما يُرجّح أن الأموال نفسها قد اختفت معها.
·
ومع ذلك، فإن قصص
الخسارة، ونزع الملكية المضمنة في هذه
“المآسي المالية” تظل ذات قيمة، لأنها تُظهر أن الاستعمار لا يستولي فقط على
أرض الشعوب المستعمَرة، وعملها ومواردها
الخام، بل يستولي أيضًا على مدخراتهم البسيطة وأصولهم المالية، التي تشكل جوهر ممتلكاتهم، أي الوسائل ذاتها
التي تسمح لهم ببناء حاضرهم ومستقبلهم!
تعليقات
إرسال تعليق