مفلسون: الحياة المالية في فلسطين أواخر عهد الانتداب

 

 


هل يمكن بناء اقتصاد وطني قوي،  ومؤسسات مالية مستقرة ، في ظل غياب السيادة السياسية؟ وهو سؤال لا يخص فلسطين الانتدابية وحدها، بل يمتد إلى الواقع الفلسطيني المعاصر أيضاً!

قامت الباحثة الدكتورة سريماتي ميتر .من قسم التاريخ في جامعة براون . بكتابة هذا المقال في المجلة الدولية للدراسات الشرق أوسطية في جامعة كامبرج...عام 2020، بعنوان : " مفلسون : (الحياة المالية في فلسطين أواخر عهد الانتداب)، هذه  الفترة هي الممتدة من عام 1930 ولغاية عام  1948

 أدرج تاليا ملخصا لأهم البنود الرئيسية التي تناولتها الباحثة الدكتورة سريماتي ميتر (علما بأن الباحثة هي نفسها  التي قدمت رسالة بحث الدكتوراة في جامعة هارفارد..عام 2014..بعنوان :  " تاريخ الاموال في فلسطين من عام 1900 لغاية الان"..وكانت هذه الرسالة مرجعا مهما..في توثيق حقوق الفلسطينيين المالية للفترة ذاتها.

يتناول هذا البحث التاريخ المالي والاقتصادي للفلسطينيين العرب خلال الفترة الاخيرة من الانتداب البريطاني (1930-1948)، من خلال دراسة تجربة أول مصرفين عربيين مستقلين في فلسطين: البنك العربي والبنك الزراعي العربي، اللذين أسسهما رجل الأعمال الفلسطيني عبد الحميد شومان،  وتستخدم الباحثة قصة هذين المصرفين،  لفهم العلاقة المعقدة بين الديون،  والأرض،  والسياسة،  والاقتصاد في فلسطين،  خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.

تنطلق الدراسة من نقد التفسيرات التقليدية،  التي حاولت تفسير فقدان الفلسطينيين لأراضيهم ، من خلال التركيز على جشع بعض كبار الملاك ، أو ضعف الحس الوطني لديهم. وترى الباحثة أن الواقع كان أكثر تعقيداً، إذ وجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين داخل نظام استعماري يفتقر إلى السيادة الوطنية،  ويخضع لتوازنات اقتصادية،  وسياسية غير عادلة، ما أجبرهم على اتخاذ خيارات صعبة ومؤلمة.

كان المرحوم عبد الحميد شومان نموذجاً لرجل الأعمال العصامي. فقد هاجر من فلسطين إلى الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين، ونجح في بناء ثروة تجارية، قبل أن يعود إلى وطنه عام 1929 ، مقتنعاً بأن مواجهة المشروع الصهيوني،  لا تتم فقط بالعمل السياسي، بل أيضاً من خلال بناء مؤسسات اقتصادية،  ومالية عربية قوية. ومن هذا المنطلق أسس البنك العربي عام 1930، ثم البنك الزراعي العربي عام 1933 ، بهدف توفير التمويل للفلاحين العرب،  وحمايتهم من الوقوع فريسة للمرابين أو خسارة أراضيهم

جاء تأسيس هذين البنكين في ظل أوضاع اقتصادية متناقضة. فمن جهة شهدت فلسطين خلال عشرينيات القرن العشرين نمواً ملحوظاً في النشاط التجاري والاستثماري العربي، وظهرت شركات ومؤسسات اقتصادية جديدة. ومن جهة أخرى بقيت غالبية الفلاحين تعاني من الفقر والديون وارتفاع الضرائب،  وتراجع أسعار المحاصيل الزراعية، بينما استفاد الاقتصاد اليهودي من تدفق رؤوس الأموال والدعم الخارجي.

واجهت المصارف العربية،  منذ بداياتها عراقيل عديدة،  فرضتها سلطات الانتداب البريطاني. فقد صدرت قوانين مصرفية جديدة رفعت شروط الترخيص وشددت الرقابة على البنوك المحلية، في حين حظيت المصارف الأجنبية والصهيونية بمعاملة أكثر مرونة. كما دعمت الحكومة البريطانية بنك باركليز ، والبنك الزراعي العقاري ، المدعوم رسمياً، بينما تُركت المصارف العربية،  تواجه مصيرها وحدها عند وقوع الأزمات.

وخلال أزمة عام 1935 المالية، التي نتجت عن الذعر الاقتصادي المصاحب للحرب الإيطالية الحبشية، حصلت المصارف اليهودية،  على دعم وقروض طارئة، في حين لم تتلق المصارف العربية أي مساعدة مماثلة. وقد رسخ ذلك لدى شومان قناعة بأن النظام الاستعماري،  لا يعمل لصالح الاقتصاد العربي الفلسطيني.

في الوقت نفسه كانت الزراعة الفلسطينية تمر بأزمة عميقة. فقد أدى الكساد العالمي، والاضرابات ،  وتراجع أسعار الحبوب،  وضعف المواسم الزراعية،  وارتفاع الضرائب،  إلى إغراق الفلاحين بالديون. ومع ذلك ظلت زراعة الحمضيات تبدو قطاعاً واعداً، فاندفع العديد من المزارعين،  وملاك الأراضي،  إلى الاستثمار فيها،  عبر الاقتراض من المصارف العربية.

ومن بين هؤلاء كان الشيخ سليمان التاجي الفاروقي، وهو سياسي ومفكر قومي فلسطيني بارز،  ومن كبار ملاك الأراضي. توسع الفاروقي في زراعة الحمضيات،  مستنداً إلى قروض حصل عليها من البنك العربي والبنك الزراعي العربي. غير أن انهيار أسواق الحمضيات العالمية، وتراجع الطلب الأوروبي، والمنافسة الشديدة، والأحوال الجوية السيئة، إضافة إلى تداعيات الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، أدت إلى تدهور أوضاعه المالية،  وعجزه عن سداد ديونه.

في هذه الأثناء كانت المصارف العربية نفسها تعاني من أزمة وجودية. فقد ارتفعت القروض المتعثرة بصورة خطيرة، وتراجع النشاط الاقتصادي العربي،  بسبب الثورة والقمع البريطاني، بينما غابت أي برامج حكومية،  لإنقاذ المؤسسات المالية المحلية. وأمام خطر الإفلاس،  قرر عبد الحميد شومان اعتماد سياسة صارمة لتحصيل الديون، ولو اقتضى الأمر ملاحقة المدينين أمام المحاكم!

هذا القرار أثار خلافات داخلية حتى بين أقرب حلفائه. فقد عارض أحمد حلمي عبد الباقي، رئيس مجلس إدارة البنك الزراعي العربي، سياسة التشدد في تحصيل الديون، معتبراً أن الظروف الوطنية تستوجب منح المدينين مزيداً من الوقت. لكن شومان رأى أن بقاء المصارف الوطنية ، يمثل مصلحة وطنية عليا،  لا تقل أهمية عن حماية الأفراد المتعثرين.

وبدأت المصارف العربية برفع دعاوى قضائية ضد عشرات المدينين، شملت شخصيات بارزة من مختلف الاتجاهات السياسية،  والعائلات الكبرى. ولم يكن الهدف استهداف الفقراء فقط، بل حماية المؤسسات المصرفية من الانهيار الكامل.

وفي موضوع خطر الإفلاس ، فقد كان يقترب من البنوك العربية، فقد كشف المقال ، بأن هناك تقرير للبنك العربي عام 1936، يبين أن البنك العربي ، كان مثقلا بالديون، حيث بلغت نسبة القروض الى الودائع في عام 1935 ، نسبة 129%...ونسبة 84% في عام 1936. وقد اظهرت المقارنات العامة،  أن البنوك الأجنبية،  كانت تهيمن على النظام المالي في فلسطين، بينما كانت البنوك المحلية أضعف بكثير. ففي نهاية عام 1936: كانت البنوك الأجنبية الستة،  تملك 78% من إجمالي الودائع  بقيمة 11,015,803 جنية فلسطيني ، و59% من الديون. بقيمة 5,608,250  جنيه فلسطيني،  بينما لم تمتلك البنوك المحلية سوى 22% من الودائع النقدية بقيمة  3,116,686  جنية فلسطيني ، مقابل 40% من الديون بقيمة 3,878,118جنيه فلسطيني  أما البنك العربي نفسه، فكان يسيطر على أقل من 2% من الودائع النقدية بقيمة 328,497 جنيه فلسطيني.، لكنه يحمل ما لا يقل عن 3% من إجمالي الديون بقيمة 276,562 جنيه فلسطيني...ومع تعثر سداد جزء كبير من هذه الديون، كما حدث في نهاية 1936، أصبح من السهل فهم سبب معاناة البنك، ولماذا وصف هذه الفترة لاحقاً بأنها أزمة كبيرة!

هنا تكشف الدراسة إحدى أهم نتائجها: فالصراع في فلسطين، لم يكن بين وطنيين ومتعاونين، ولا بين فصائل سياسية متنافسة، بل بين رؤيتين وطنيتين مختلفتين. كان شومان يؤمن بأن بقاء المؤسسات الاقتصادية العربية،  شرط أساسي للصمود الوطني. أما المدينون مثل الفاروقي ، فكانوا يرون أن الحفاظ على الأرض،  أهم من بقاء المصارف، لأن الأرض إذا ضاعت فلن تعود!

تحولت قضية الفاروقي ، إلى نموذج لهذه المعضلة. فعندما رفعت المصارف دعاوى ضده، لم يكن ينكر ديونه، لكنه حاول بكل الوسائل القانونية تأجيل تنفيذ الأحكام لأنه كان يخشى أن يؤدي بيع أراضيه إلى انتقالها إلى المشترين الصهاينة،  الذين كانوا الأكثر قدرة على الشراء في تلك المرحلة. ولهذا استعان بمحامين بارعين، وواصل تقديم الاستئنافات،  والطلبات لتأخير التنفيذ.

ورغم أن بعض الباحثين اعتبروا لجوءه إلى محامٍ يهودي،  دليلاً على التعاون مع الصهيونية، فإن الوثائق التي اعتمدت عليها الباحثة ، تشير إلى أن هدفه الأساسي،  كان كسب الوقت،  ومنع بيع أرضه، لا تحقيق مصالح سياسية مشتركة مع الحركة الصهيونية.

في النهاية خسرت المصارف،  والدائنون،  والمدينون معاً. فقد حكمت المحاكم لصالح البنوك، وأُعلن إفلاس الفاروقي بعد سنوات من النزاعات القانونية. وفي الوقت ذاته لم تنجُ المؤسسات المصرفية من آثار الأزمة، إذ انتهى الأمر بتصفية البنك الزراعي العربي عام 1942 نتيجة الخسائر والقيود التنظيمية الصارمة.

أما البنك العربي فتمكن من البقاء بفضل احتياطاته الأكبر ، وإعادة هيكلة نشاطه. فابتعد تدريجياً عن تمويل الزراعة والاستثمارات طويلة الأجل، واتجه نحو تمويل التجارة قصيرة الأجل، مستفيداً من التحولات الاقتصادية التي رافقت الحرب العالمية الثانية. وبحلول منتصف الأربعينيات ، شهد نمواً كبيراً في الودائع ، وتوسعاً إقليمياً في عدد من الدول العربية.

غير أن هذا النجاح لم يكن بلا ثمن. فسياسات تحصيل الديون الصارمة ساهمت، بصورة غير مقصودة، في فقدان بعض الفلسطينيين لأراضيهم. كما أن عمليات شراء الأراضي من قبل المؤسسات الصهيونية،  استمرت بوتيرة مرتفعة خلال تلك السنوات، ما ساعد على تعزيز البنية الجغرافية والاقتصادية للمشروع الصهيوني.

وتؤكد الدراسة أن هذه النتائج لم تكن ثمرة خيانة أو تواطؤ بقدر ما كانت نتاج بنية استعمارية غير متكافئة. فالمؤسسات العربية كانت تعمل دون حماية حكومية، في حين تمتعت المؤسسات الصهيونية بدعم مالي وسياسي واسع النطاق. كما أن غياب السيادة الوطنية،  حرم الفلسطينيين من الأدوات الضرورية لمعالجة الأزمات الاقتصادية،  أو حماية مؤسساتهم وأراضيهم.

وتخلص الباحثة إلى أن المأساة الفلسطينية في أواخر عهد الانتداب،  لم تكن مجرد صراع بين دائن ومدين، أو بين ملاك أراضٍ ومشترين صهاينة، بل كانت صراعاً بين أولويات وطنية متنافسة داخل مجتمع يعيش تحت الاستعمار. فبين الدفاع عن الأرض،  وبناء المؤسسات الاقتصادية الوطنية، وجد الفلسطينيون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ خيارات مستحيلة تقريباً، انتهى كثير منها بخسائر جماعية.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في أنها تقدم فهماً أكثر تعقيداً للتاريخ الفلسطيني، بعيداً عن التفسيرات المبسطة التي تختزل الأحداث في مفاهيم التعاون،  أو الانقسام الفصائلي. كما تطرح سؤالاً ما زال حاضراً حتى اليوم: هل يمكن بناء اقتصاد وطني قوي،  ومؤسسات مالية مستقرة ، في ظل غياب السيادة السياسية؟ وهو سؤال لا يخص فلسطين الانتدابية وحدها، بل يمتد إلى الواقع الفلسطيني المعاصر أيضاً!

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة