هل الولايات المتحدة أكبر وأخطر من أن يقاطعها أحد؟؟
●
" الولايات المتحدة لديها الكثير من الجغرافيا ، وقليل من
التاريخ." هذا ما كتبه المرحوم الصحفي الشهير محمد حسنين هيكل في كتابه " الزمن الأمريكي ..كلام في السياسة ".سنقوم بإيراد بعض من ملاحظاته عن الظاهرة
الأمريكية!
●
ألف الصحفي الشهير المرحوم محمد حسنين هيكل، كتابا تحت عنوان " كلام في السياسة"
...." الزمن الأمريكي من نيويورك
الى كابول"..وقد كتب فصول هذا الكتاب في الفترة من 2001 لغاية 2002..وقد سرد ملاحظاته بخصوص الزمن الأمريكي...في تلك الفترة وما قبلها..مستندا الى زياراته التي زادت عن
أربع وعشرين زيارة، والتي بدأت أولها في عام 1951... في مهمات صحفية، وأخرى
سياسية...كصحفي معروف، و كمبعوث من القيادة
المصرية ... هذه الملاحظات، التي تبدو في معظمها ، انها ما زالت تتكرر لغاية الآن....وليست
مقتصرة على الفترة ما قبل 2001..ومن هذه الملاحظات ما يلي:
●
ان الظاهرة الامريكية في
تلك الفترة ، كانت حاضرة في كل قارة من قارات الدنيا ، ضاغطة على كل إقليم، محشوة في كل بلد ،
مندسة في كل بيت، واطلق عليها تسمية
(الدولة المتداخلة)..! وهذه الظاهرة
تماما كما هي الان ..لدرجة تكاد تعتقد مثلا أن الولايات المتحدة
، لها قواعد عسكرية ... في معظم أنحاء العالم، ولنضرب مثلا وقع
حديثا..بتاريخ 26/7/2023، قصة الانقلاب العسكري الأخير في دولة
النيجر.في أفريقيا .والذي قام قادة الانقلاب العسكري، فيه بطرد القوات الفرنسية
المرابطة هناك منذ زمن بعيد...بالاضافة الى السفير الفرنسي من البلاد..حيث لم تعترف فرنسا بشرعية الانقلاب
العسكري المذكور.....إلا أن الولايات المتحدة في وقتها ، قالت ان وحداتها العسكرية
الموجودة في النيجر ، باقية ، ولم يتطرق إليها
قادة الانقلاب العسكري ، بأية اشارة ، أو
نية لترحيلها. وذكرت الولايات
المتحدة الأمريكية وقتها، أن وجود بعض من عساكرها هناك ، هو من أجل
التعاون مع البلدان الشريكة والصديقة في إفريقيا، لمحاربة الإرهاب! بالتالي فان الظاهرة الامريكية – حسب وصف هيكل- - ما زالت لغاية الآن، وهي تهدف الى تلبية مصالحها أولا ، بغض النظر أكانت هذه
المصالح على حساب مصالح أصحاب البلاد ، أو مصالح دول حليفة
مثل فرنسا، والتي لها مصالح أسبق زمنا في
نفس البلد..!
●
ويواصل المرحوم هيكل في كتابه المشار إليه أن أمريكا ، بلد غني، لم تروضه
ثقافة متأصلة...فأمريكا قوة هائلة، لكنها " ساذجة" – حسب وصفه- ..! لم تصل إليها خبرة ، وحكمة القارات القديمة !
●
ويدلل هيكل مطابقة ما وصف به أمريكا، بقصة السفير الأمريكي في
القاهرة..عام (ثورة يوليو)، 1952 واسمه جيفرسون كافري، حينما قال معلقا على نقاشات مع المرحوم هيكل في
بعض أمور السياسة في الشرق الاوسط " إن الولايات المتحدة ، لن
تعطي الا بقدر ما تأخذ اولا ومقدما" !
●
ويقول هيكل، بأن السفير الأمريكي كان على حق ، حيث بعد اعتزال السفير كافري الخدمة،
لسنوات طويلة ، أنه كان على يقين، بأن الولايات
المتحدة، لن تساعد أي بلد عربي، الا اذا وقع اتفاقية صلح نهائي مع إسرائيل!
●
ووصف هيكل الولايات المتحدة ، بانها عالم
جديد ، لا يعترف بالحدود التقليدية للسيادات الوطنية.للدول...واصفا إياها بأن لديها كثير من
الجغرافيا، وقليل من التاريخ...
●
زار كيسنجر ، وزير خارجية الولايات المتحدة السابق، في زمن حرب اكتوبر عام 1973، وهو من أصل يهودي، القاهرة، بعد
أسابيع،
من توقف حرب أكتوبر المشار اليها ، وقال لهيكل، اريد ان اسمع منك ما تريد قوله عن الأزمة الحالية في الشرق الاوسط ، بشرطين اثنين:
-
الاول: " لا تحدثني عن التاريخ ، حدثني عن
الواقع الراهن ..هذه اللحظة..من هنا نبدأ" !
-
الثاني: حدثني عن مصر وحدها ، ولا تقل لي شيئا عما
تسمونه انتم الامة العربية! ، اعرف ان
هناك شعبا في مصر هذه حقيقة..ولكن ان هناك امة عربية، فذلك ادعاء تقولون به، ووهم لم يثبت،
وبالتالي لست مستعدا له!
● وكان ذلك سبب الأرق كما كتب هيكل، لديه
او الدهشة ، لان ذلك الرجل (كيسنجر الذي توفي قبل أيام عن عمر 100 عام)، الذي كان دارسا ، وأستاذا للتاريخ ، لم يعتبر التاريخ ...وإنما اعتبر اللحظة الراهنة بداية كل شيء!
●
ويقول هيكل أنه شرح
لهنري كيسنجر بأن تلك البداية ، تلغي الحقوق، بل وتهدر القانون ، فقط كان منطقه " اننا
اذا كنا نريد التعامل مع الماضي، فسوف نظل بالماضي!! ، واذا اردنا
المستقبل، فالمطلوب منا ، ان ننسى وبالطبع
فقد كان ذلك منطق التجربة الأمريكية اصلا
واساسا!!
●
وفي هذا الشأن، وما قاله هيكل عن كيسنجر ..اطلعت على مقال
للكاتب الصحفي الأمريكي..الشهير توماس فريدمان
والذي يكتب مقالا أسبوعيا..في صحيفة نيويورك تايمز..حين قدم نصيحة للدول العربية، إذا أرادوا أن يتم تسوية سلمية
بينها وبين اسرائيل ، أن يقفلوا كافة الملفات القديمة ، و يبدأوا من جديد..ولا اعرف كيف يطلب
هذا .الصحفي الشهير..وهو من أصل
يهودي.نسيان الملفات القديمة....وهم ما زالوا يرددون قصة المحرقة وملف النازية حتى
الآن..بالرغم من انتهاء الحرب، منذ أكثر من ثمانية عقود..أي أصبح
ملفا قديما..وارى في نصيحة فريدمان ..مطالبة بإسقاط الحق التاريخي للفلسطينيين في أرضهم
المحتلة منذ أكثر من 75 عاما...!
●
إن الولايات المتحدة لم تنشأ كوطن . وإنما نشأت كموطن، ولم تبدأ كدولة..! وانما كملجأ،....ربما
هنا يمكن فهم استعداد السياسة الامريكية في هذه اللحظة، ان تتقدم لأي
مشكلة، بمقترحات غير محكومة بثوابت
وبمنطق..
●
تكلم عن بيل كلينتون الرئيس الامريكي السابق ، حيث قال انه " من صالح العرب أن يتركوا القدس لاسرائيل واذا كان العرب والمسلمون على تصميمهم بأن القدس عربية فإنه في
مقدورهم تغيير اسم قرية قريبة وراء التل، هي " ابو ديس" وتسمى القدس
، ومنها أنها على بعد كيلومترات قليلة من القدس
الاصلية امام التل، ثم يضيف، أنهم فعلوا كثيرا
في أمريكا، فهناك مدن كبيرة في أمريكا، اسمها القدس، والقاهرة ، والإسكندرية وبيروت!
●
ان السكان الأصليون
عليهم ان ينزحوا والا فهم تذكرة دائمة للقادمين الجدد بأن هناك حقوق سابقة تعترض حقوقهم اللاحقة..وذلك خلط مادي ومعنوي يجب تسويته
وبكل وسيلة متاحة
●
وهنا يمكن فهم الرؤية الأمريكية لقضية فلسطين، فالمستوطن اليهودي ليس فقط مهاجرا الى أرض جديدة ، وانما هو كذلك وبقوة المجنزرة والمدفع الرشاش، عائدا
الى ارض يملك عليها امتيازا من قديم، وهذه
حجة اضافية ، فان الخلاء الفلسطيني من باب أولى، لا بد من تهجيره ، ثم إن الفلسطيني الاصلي، شانه شأن الهندي الأحمر ، عليه أن يختفي وجودا وظلا!!
●
وأورد هيكل حوارا بين صحفي و مادلين أولبرايت،
وزير خارجية
الولايات 1998 ، حينما سئلت عن استقالة اثنين من مفوضي الأمم المتحدة، المسؤولين عن تنسيق
برامجها في العراق، قدما استقالتهما، لأنه لم يستطع
كلا منهما ، أن يحمل على
ضميره، وزر وفاة نصف مليون طفل عراقي،
راحوا ضحية نقص الغذاء، والدواء، بسبب الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة، باسم الأمم
المتحدة على العراق.! حيث ردت أولبرايت: " ربما انه ثمن غال، كما تقول ، لكننا نرمي الى الهدف الذي نطلبه،
حيث يساوي ذلك الثمن وأكثر منه!!!! وهو ما نشاهده الان ، من معارضة الولايات المتحدة
لوقف اطلاق النار لاكثر من 6 مرات في مجلس الامن ، بالرغم من تصويت كافة الدول في
مجلس الامن، لصالح وقف اطلاق النار...في
قطاع غزة ، نتيجة حرب الابادة التي تشنها اسرائيل عليه.. باستثناء مندوب الولايات
المتحدة، التي استخدمت حق النقض الفيتو ضد
مشروع القرار..اضافة الى تصويت ساحق في الجمعية العامة للامم المتحدة (153 صوت)
لصالح وقف اطلاق النار ، وفتح المعابر لادخال المساعدات لسكان القطاع
المنكوبين...!
●
ان الضمير الأمريكي كان
يتعين عليه أن يجد مسوغات....أخلاقيات وقوانين وقواعد نظرية المنفعة الأمريكية ومشى فقهها من بدايتها، الى نهايتها، بأنه على اساس انه اذا كان ما هو نافع مطلوبا ، فإن ما هو نافع بدوره مشروعا، مهما كانت وسائل الحصول عليه.. وكذلك ينبغي أن يستقر القانون،
وتصاغ مواده
●
أما قضية فلسطين، فقد نجحت إسرائيل،
أن ترسخ
لديهم، على عكس الحقيقة، صورة مؤداها أن
فلسطين كانت صحراء جرداء قبل أن ينزل عليها
الخصب اليهودي، ومالك الأرض الحقيقي والقانوني، ليس مالك صك الملكية، وإنما القادر
على الأرض اكفا، والممسك بها اقوى ، ذلك أن الصك ورقة، وأما الحق فهو القوة!!
●
ويقول هيكل، ان هذه نقطة مركزية، تستحق فهما عربيا أعمق ،
فالعدل حلم الضعفاء ، لكن القانون يكتبه الأقوياء وغير ذلك الادعاء !!
●
واظهر هيكل في كتابه، مسار استراتيجية المصالح الأمريكية: حيث ترسم خططها ، وتجري تحركاتها ، خطوة بخطوة ، اثناء ذلك،
وقبله وبعده ، سيطرة على الموارد الرئيسية
للعالم كله ، عن طريق شبكة مصالح معقدة، تتولى حماية الموارد البحرية، وتأمين الأجواء ، وتكفل وجود
محطات محلية، ومامونة ، تقوم على حماية المصالح ، عن طريق شرطة إقليمية ، وهي محطات، يمكن
تزويدها بالسلاح، وبالمال ، والخبرة، دون داع لوجود أمريكي مباشر، في ساحات الصراع ، واسرائيل
هي النموذج الأمثل!!وهو ما نراه الان ، من دعم مباشر وبلا حدود من الادارة
الامريكية لاسرائيل ، في حرب الابادة التي تقوم بها على قطاع غزة..منذ السابع من
اوكتوبر.!
●
وبرغم ذلك ، فقد اطلعت على فقرة من مذكرات جورج تينيت، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من الفترة 1996
ولغاية 2004، ، وفي فصل الحديث عن الغزو الأمريكي للعراق ، " ان على القوة العظمى
الوحيدة في العالم ، أن تدرك أن هناك جبالا أعلى من ان تتمكن من تسلقها" !
تعليقات
إرسال تعليق