أموال المقاصة الفلسطينية بين إحكام القبضة الإسرائيلية وإشكالية الانفكاك

 


التسرب المالي البنيوي

أولا: قراءة تحليلية في بروتوكول باريس الاقتصادي

·         اطلعت على تقرير بعنوان  " أشـكال التسـرب المالي والخسـائر المالية والاقتصاديــة التــي تتكبدهــا الســلطة الفلسـطينية ضمـن العلاقـة مـع إسـرائيل" ، والصادر  بتاريخ تشرين ثاني - نوفمبر 2025 من سلسلة تقارير :  " الائتـلاف مـن أجـل النزاهـة والمسـاءلة (أمــان) .2025أشــكال التســرب المالــي والخســائر الماليــة والاقتصاديــة التــي تتكبدهــا الســلطة الفلســطينية ضمــن العلاقــة مــع إســرائيل. رام الله - فلســطين " من  اعداد الدكتـور كايـد طنبـور، يعالج فيه التقرير أحد أخطر التحديات البنيوية،  التي تواجه المالية العامة الفلسطينية، والمتمثلة في التسرب المالي المنهجي الناتج عن طبيعة العلاقة المالية غير المتكافئة مع إسرائيل، كما تبلورت منذ بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994،  هذا التسرب يعني ذلك الفاقد الكلي في الايرادات العام المستحقة للسلطة الوطنية الفلسطينية ، نتيجة الاختلالات المتراكبة في منظومة  التحصيل والتحويل المالي، سواء كانت ناتجة عن تهرب ضريبي داخلي ، و نشاطات اقتصادية غير رسمية، وتفاوتات في الية المقاصة، أو اتجاز متعمد للايرادات، من قبل سلطات الاحتلال ، بما في ذلك  المبالغ التي جبيت نيابة عن السلطة،  ولم تحول الى الخزينة العامة في موعدها القانوني،  أو لاسباب سياسية!

·        يهدف التقرير إلى تشخيص قنوات التسرب المالي، وتقدير حجمه، وتحليل آثاره المالية والاقتصادية الكلية، وصولاً إلى اقتراح استجابات عملية للحد من مخاطره، في ظل أزمة مالية غير مسبوقة تمر بها السلطة الوطنية الفلسطينية.

ثانيا: الإطار العام للمشكلة

·        يشكّل بروتوكول باريس الأساس الناظم للعلاقات المالية والاقتصادية بين الجانبين، حيث منح إسرائيل دوراً مركزياً في تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية على الواردات الفلسطينية وتحويلها للسلطة الفلسطينية بعد اقتطاع عمولة إدارية. ورغم الطابع الانتقالي المفترض لهذا الترتيب، إلا أنه أرسى عملياً نمطاً دائماً من التحكم الإسرائيلي في الموارد المالية الفلسطينية، في ظل استمرار السيطرة على المعابر والتجارة والموارد الطبيعية، وغياب أي مرجعيات تحكيم دولية ملزمة لحل النزاعات.

·        وقد تعمّقت اختلالات هذا الإطار بعد تعطّل اللجنة الاقتصادية المشتركة منذ عام 1999، واعتماد تنفيذ بنود البروتوكول على التفاهمات الثنائية والالتزام الأخلاقي، ما أتاح لإسرائيل تطبيقاً انتقائياً وأحادياً للبنود بما يخدم مصالحها، وبما يفرض كلفاً مالية واقتصادية مرتفعة على الجانب الفلسطيني.

 

ثالثا: مفهوم التسرب المالي وطبيعته

·        يعرّف التقرير التسرب المالي بأنه الفاقد الكلي في الإيرادات المستحقة للسلطة الفلسطينية نتيجة منظومة معقدة من الاختلالات، تشمل: بنودًا مجحفة في بروتوكول باريس ذاته (قانونية شكلاً، غير عادلة أثرًا)، وخروقات إسرائيلية مباشرة للاتفاقيات، بالاضافة الى ممارسات “قرصنة مالية” تتجاوز الاتفاقيات، عبر الحجز أو الاقتطاع غير القانوني لأموال فلسطينية سيادية.

 

رابعا: حجم التسرب المالي وقنواته الرئيسية

·        يقدّر تقرير ائتلاف النزاهة والمساءلة (أمان) الحجم الكلي للتسرب المالي السنوي في المالية العامة الفلسطينية بنحو 1.105  مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 22.9%   من إجمالي الإيرادات العامة، وقرابة 7–7.4% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعكس هذا المستوى المرتفع من الفاقد المالي ضغطًا هيكليًا شديدًا على الخزينة العامة الفلسطينية، ويقوّض قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق الاجتماعي والتنموي والاستثماري، ويعمّق العجز المالي المزمن.

·        ويخلص التقرير إلى أن التسرب المالي ليس خللًا تقنيًا أو إداريًا عابرًا، بل هو ظاهرة بنيوية وسياسية ناتجة عن طبيعة العلاقة المالية غير المتكافئة مع إسرائيل، كما تبلورت في بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، وما رافقها من ممارسات إسرائيلية أحادية وقصور داخلي فلسطيني في المتابعة والحوكمة. ويوثّق التقرير ثماني قنوات رئيسية للتسرب المالي، تتفاوت في حجمها وأثرها، لكنها تتكامل في تكريس التبعية المالية وتقويض السيادة الاقتصادية.

·        تُعد ضرائب العمال الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات أكبر مصادر التسرب المالي، بقيمة سنوية تقدَّر بنحو 419.3 مليون دولار، أي ما نسبته 37.9% من إجمالي التسرب. وتشمل هذه الضرائب ضريبة الدخل المفروضة على أجور العمال، إضافة إلى ضريبة المعادلة التي تُفرض وفق شرائح دخل محددة. ورغم أن هذه الضرائب تمثل موردًا جوهريًا للإيرادات العامة الفلسطينية، فإن سياسات التحصيل والتحويل التي تفرضها السلطات الإسرائيلية أدت إلى فاقد مالي واسع النطاق. وتشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي تعويضات العمال الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات خلال الفترة 2020–2024 بلغ نحو 14.1 مليار دولار، وكان يفترض أن يُحوَّل جزء كبير من الضرائب المستحقة إلى الخزينة الفلسطينية، إلا أن التحويل الفعلي جاء دون ذلك بكثير، ما أدى إلى تسرب سنوي مرتفع في ضريبة الدخل. أما ضريبة المعادلة، التي بلغت قيمتها التقديرية خلال خمس سنوات نحو 929 مليون دولار، فلا تُحوَّل أصلًا إلى الخزينة الفلسطينية، ما يجعل التسرب فيها كاملاً بنسبة 100%.

·        تأتي في المرتبة الثانية الأنشطة الاقتصادية الإسرائيلية في المناطق المصنفة (ج)، بخسائر تقدَّر بنحو 284 مليون دولار سنويًا، نتيجة غياب السيطرة الفلسطينية على الموارد والجباية في هذه المناطق. وتُظهر تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أن القيود المفروضة على نحو 30% من مساحة المنطقة (ج) القابلة للتنمية كلّفت الاقتصاد الفلسطيني خسائر تراكمية تجاوزت 15 مليار دولار خلال الفترة 2020–2024، وهو ما يمثل تكلفة الفرصة البديلة للناتج والإيرادات التي كان يمكن تحقيقها في حال تمكين الفلسطينيين من استغلال مواردهم بحرية.

·        أما قطاع الاتصالات، فيقدَّر التسرب المالي فيه بنحو 162.5 مليون دولار سنويًا، نتيجة السيطرة الإسرائيلية على الترددات والبنية التحتية والبوابات الدولية، ما يحرم الخزينة الفلسطينية من إيرادات سيادية محتملة ويحد من تطور هذا القطاع الحيوي.

·        ويبرز كذلك التسرب في الضرائب والرسوم على المحروقات، الناتج عن عمولة التحصيل الشهرية البالغة 3%، إضافة إلى تهريب الوقود من المستوطنات والمناطق (ج). وتشير التقديرات إلى أن ما بين 17% و25% من استهلاك الضفة الغربية من الوقود يأتي من مصادر غير قانونية لا تخضع للضرائب، ما يؤدي إلى خسائر سنوية تُقدّر بنحو 90 مليون دولار.

·        ومن القنوات المهمة أيضًا العمولة الإدارية على أموال المقاصة (3%)، التي تفرضها إسرائيل بشكل أحادي. وتُظهر تقديرات البنك الدولي أن الكلفة الإدارية العادلة لا تتجاوز 0.6%، ما يعني أن نحو 80% من هذه العمولة يمثل تسربًا ماليًا صافياً من موارد الخزينة الفلسطينية.

·        كما يسجَّل تسرب مالي واسع في ضرائب سياسات الاستيراد، نتيجة تحكم إسرائيل بالمعابر والتصنيف الجمركي، ولا سيما عبر آلية إعادة التصدير، حيث تُستورد سلع من دول ثالثة تمر عبر إسرائيل ثم تُعاد توجيهها إلى السوق الفلسطينية وتُعامل كسلع إسرائيلية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 27% من الواردات من إسرائيل هي في الواقع سلع معاد تصديرها، ما يحرم الخزينة الفلسطينية من الرسوم الجمركية وضريبة الشراء والمكوس المستحقة، بقيمة تقديرية بلغت 237 مليون دولار خلال الفترة 2020–2024.

·        وتُعد ضريبة المغادرة عبر جسر الكرامة قناة أخرى للتسرب، رغم كونها إيرادًا سياديًا فلسطينيًا. إذ تؤدي آلية التحصيل والتوزيع وفق بروتوكول باريس إلى تسرب مزدوج قانوني وفعلي، وقد بلغ التسرب في عام 2024 وحده نحو 12 مليون دولار.

·        وأخيرًا، يشكّل حجز أموال المقاصة خلال الفترة 2020–2025 أحد أبرز أشكال “القرصنة المالية”، حيث بلغ إجمالي الأموال المحتجزة حتى تموز 2025 نحو 2.387 مليار دولار، إضافة إلى خسائر غير مباشرة ناجمة عن الاقتراض لتغطية النفقات الجارية، ما فاقم أزمة السيولة وعدم انتظام دفع الروات

خامسا: الخلاصة

·        يخلص التقرير إلى أن التسرب المالي، بتجلياته المتعددة، يساهم في تعميق العجز المزمن، وتآكل الحيز المالي، وإضعاف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتقويض السيادة المالية الفلسطينية عبر الاعتماد المفرط على إيرادات خاضعة للتحكم الخارجي.

سادسا: توصيات التقرير

·        يوصي التقرير  بمراجعة شاملة لبروتوكول باريس وآليات المقاصة، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتطوير أدوات تحصيل محلية، وتدويل ملف التسرب المالي في ظل غياب آليات تحكيم دولية وتعطّل اللجنة الاقتصادية المشتركة منذ عام 1999.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة