الأصول الحكومية في فلسطين: بين الهدر العام .. والحماية القانونية بثغرات تنفيذية
تشكل الأصول الحكومية في فلسطين – بما
تشمل الأراضي، والمباني والمنشآت، والمركبات، والآلات والمعدات، إضافة إلى أصول
صندوق الاستثمار الفلسطيني، وبعض أصول الصندوق القومي الفلسطيني – ركيزة سيادية
أساسية للثروة الوطنية، وكان من المفترض أن تمثل أحد أهم مصادر تمويل الموازنة
العامة، ودعم التنمية المستدامة، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وتقليص فجوة التمويل
العام، فضلًا عن ترسيخ الثقة المجتمعية بالمؤسسات العامة. غير أن الواقع العملي
يكشف عن فجوة واسعة بين الحجم الكامن لهذه الأصول، وبين مردودها الفعلي على
المالية العامة والاقتصاد الوطني.
يعالج هذا المقال، بالاستناد إلى تقرير ائتلاف
أمان الصادر عام 2025 بعنوان «الأصول الحكومية واستثماراتها ومستوى
الحوكمة فيها»، من إعداد الباحث د. نصر عبد الكريم، واقع إدارة الأصول الحكومية
واستثماراتها في فلسطين، ويكشف عن اختلالات بنيوية وتشريعية ومؤسسية، أسهمت في
إضعاف العائد الاقتصادي لهذه الأصول، وفتحت المجال أمام الهدر وسوء الاستخدام، في
ظل قيود إضافية يفرضها الاحتلال على السيطرة والسيادة على أجزاء واسعة من هذه
الأصول.
·
أهمية
التقرير وإشكاليات البحث
تنبع أهمية التقرير من ندرته في حقل
بحثي حيوي لم يحظَ بالاهتمام الكافي، ومن كونه يحاول تقديم تشخيص شامل لواقع
الأصول الحكومية، ومستوى الحوكمة الناظمة لها. إلا أن التقرير واجه عراقيل جدية،
أبرزها غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة ومحدثة، وضعف تعاون بعض الجهات الرسمية في
توفير المعلومات، أو الاكتفاء بتقديم بيانات جزئية وغير مكتملة، ما أعاق الوصول
إلى صورة دقيقة وشاملة. ويشير هذا الواقع إلى وجود ما يمكن تسميته مجازًا
بـ«الخلايا النائمة» داخل البنية الإدارية، التي تيسّر الاعتداء على المال العام
أو تتغاضى عنه عبر التقصير في أداء واجباتها الرقابية، الأمر الذي يستدعي كما أرى
، استرداد كل الأصول الحكومية التي جرى
الاعتداء عليها تاريخيًا، ومساءلة المسؤولين عن ذلك دون استثناء.
·
الأصول
الحكومية والحوكمة: مسألة ثقة عامة
يؤكد التقرير أن الإدارة الرشيدة للأصول
الحكومية ليست مسألة فنية محضة، بل قضية سياسية–اقتصادية–مجتمعية ترتبط مباشرة
بثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، وبمستوى الشفافية والمساءلة، وبقدرة الدولة على
الوقاية من الفساد وصون الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فكثيرًا ما تمتلك الحكومات
ثروات عامة ضخمة، لكنها تُدار أحيانًا وفق حسابات سياسية آنية وقصيرة المدى، على
حساب المصلحة العامة والعائد الاقتصادي طويل الأجل.
·
الإطار
التشريعي: حماية قانونية بثغرات تنفيذية
ينظم إدارة الأصول الحكومية إطار تشريعي
يشمل القانون الأساسي المعدل، وقانون الموازنة العامة، وعددًا من القرارات بقانون،
أبرزها:
- قرار بقانون رقم
(43) لسنة 2021 بشأن أملاك الدولة،
- قرار بقانون رقم
(22) لسنة 2018 لحماية أراضي وأملاك الدولة،
- نظام تأجير
أملاك الدولة رقم (13) لسنة 2023.
ورغم أهمية هذا الإطار في سد فراغ
قانوني سابق، كان يفتح الباب أمام تضارب
الصلاحيات والتجاوزات السياسية، إلا أن التطبيق العملي كشف عن ثغرات مؤثرة، أهمها:
غياب اللوائح التنفيذية، ضعف معايير تسعير الأصول، وعدم إلزامية نشر العقود
والاتفاقيات، ما يقيّد الرقابة المجتمعية ويضعف حماية المصلحة العامة.
·
الإطار
المؤسسي وتعدد المرجعيات
تتوزع مسؤوليات إدارة الأصول الحكومية
بين وزارة المالية، وسلطة الأراضي، وصندوق الاستثمار الفلسطيني، واللجنة الفنية
الدائمة لإدارة أملاك الدولة. غير أن تعدد المرجعيات وضعف التنسيق المؤسسي، إلى
جانب الغموض في العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، حال دون
بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة، وأضعف التخطيط الاستثماري والرقابي. ويبرز هذا
الغموض بشكل خاص في تبعية بعض المؤسسات التابعة لمنظمة التحرير، نتيجة غياب إطار
ناظم وواضح للعلاقة المؤسسية بين المنظمة والسلطة، رغم النص الصريح في القانون
الأساسي على مرجعية المنظمة العليا.
·
واقع
الأصول الحكومية واستثماراتها
أولًا: أراضي الدولة
تشكل أراضي الدولة موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إلا أنها تعاني من ضعف
الحصر والتسجيل، وتفاوت أساليب الاستغلال، وغياب معايير شفافة للتخصيص والاستثمار.
وقد بلغ مجموع الأراضي المسجلة كأملاك دولة نحو 579 ألف دونم، تتركز أكثر من 60%
منها في محافظتي طوباس وأريحا، بينما تقع نسبة كبيرة منها في المناطق المصنفة (ج)
والمحميات الطبيعية (68%). ورغم تحسن الإيرادات من هذه الأراضي – من نحو 126 ألف
دولار عام 2022 إلى أكثر من 1.1 مليون دولار عام 2023 – إلا أن غياب النشر المنتظم
للبيانات المالية يحد من الشفافية والمساءلة.
ثانيًا: المركبات الحكومية
يُقدّر عدد المركبات الحكومية بنحو 6200 مركبة، يتركز معظمها في القطاع
الأمني. ويشير التقرير إلى اختلالات واضحة في أنماط الاستخدام، وتضخم تكاليف
التشغيل والصيانة، وضعف الرقابة على الالتزام بالأنظمة، ما يفاقم الهدر المالي.
ثالثًا: المنشآت والمرافق الحكومية
·
تشمل المباني
الحكومية الوزارات والمدارس والمستشفيات والمقار الأمنية وغيرها، وتعاني من قصور
في الصيانة والتحديث، وغياب الربط بين الاستخدام والكفاءة التشغيلية. ويعكس
التوزيع الجغرافي غير المتوازن لبعض هذه المنشآت تحديات إضافية في التخطيط وإدارة
الموارد. فعلى سبيل المثال ، أورد التقرير احصائية بتوزيع المدارس المملوكة لوزارة التربية
والتعليم حسب المنطقة:على سبيل المثال:
الخليل 392، نابلس 245 ، جنين 160 ، طولكرم 142، رام الله 131، بيت
لحم 120 ، القدس 102 ...الخ..
رابعًا: أصول صندوق الاستثمار الفلسطيني
رغم الأهمية الكبيرة لأصول الصندوق، التي بلغت نحو 900 مليون دولار حتى
نهاية عام 2024، يبرز نقص الإفصاح العام الكافي حول الأداء والعوائد، بما يحد من
المساءلة العامة، رغم الاستقرار النسبي في المركز المالي للصندوق.
·
حوكمة
الأصول ومخاطر الفساد
يرصد التقرير مظاهر قصور واضحة في حوكمة
إدارة الأصول الحكومية، تشمل ضعف الفصل بين الصلاحيات، غياب أنظمة إلكترونية
متكاملة، قصور الرقابة الداخلية، ضعف الإفصاح الدوري، وعدم وضوح معايير اتخاذ
القرار الاستثماري. وتؤدي هذه الاختلالات إلى زيادة مخاطر الهدر وسوء الاستغلال،
وفتح المجال أمام الفساد، بما ينعكس سلبًا على الثقة العامة.
·
الخلاصة
والتوصيات
يخلص التقرير إلى أن تحسين إدارة الأصول
الحكومية يتطلب إصلاحًا بنيويًا شاملًا، يبدأ بإعداد استراتيجية وطنية موحدة،
واستكمال اللوائح التنفيذية، وتوحيد معايير التسعير والتخصيص، وبناء قاعدة بيانات
وطنية شاملة ومحدثة، وتعزيز الإفصاح ونشر العقود والبيانات المالية، وتطوير أنظمة
إلكترونية متكاملة، وتقوية الرقابة الداخلية والخارجية، مع الفصل الواضح بين
الأصول التشغيلية والاستثمارية، وتعظيم العائد الاقتصادي دون المساس بالمصلحة
العامة.
تعليقات
إرسال تعليق