أموال الأيتام بين الحماية القانونية وفجوات الحوكمة: قراءة في النزاهة والشفافية
تعتبر أموال الأيتام شأنا عاما ، وفي هذا المضمار، فإن أمانة المال،
وامتحان الحوكمة، أمران ضروريان
للتعرف والاطلاع على قراءة وتقييم عمل مؤسسة إدارة، وتنمية أموال الأيتام، من حيث النزاهة والشفافية والمساءلة، 2025.
وفي هذا الشأن، اطلعت على تقرير باللغة الانجليزية من إصدار " الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) 2025 ،
بعنوان : النزاهة والشفافية والمساءلة في عمل مؤسسة إدارة وتنمية أموال الأيتام. رام الله – فلسطين 2025"..
أقدم تاليا موجزا
لما تضمنه هذا التقرير الهام من ملاحظات،
وما انتهى اليه من توصيات لتصويب أية فجوات محتملة، في حوكمة عمل هذه المؤسسة، اذ أن هدف هذا التقرير بالاساس، هو تقييم واقع النزاهة
والشفافية، والمساءلة في إدارة وتنمية
أموال الأيتام، وتحليل الإطار التشريعي والمؤسسي الناظم لعمل المؤسسة، وصولًا إلى
تقديم توصيات عملية لتعزيز الحوكمة ، وحماية الأموال الموكلة إليها. ويستند
التقييم إلى مراجعة القوانين والأنظمة والممارسات الإدارية والرقابية المعتمده من
أجل تعزيز بيئة النزاهة، والشفافية، والمساءلة، في إدارة وتنمية أموال الأيتام، وحمايتها من مخاطر الفساد!
على الرغم من
تخصيص هذه الأموال لفئة محددة من المجتمع، إلا أنها تتمتع بالحماية القانونية
للأموال العامة، نظرًا لتعدد مصادرها ومساهمة الدولة فيها. لذلك يجب أن تتسم إدارة
هذه الأموال بالكفاءة والالتزام الصارم بالمعايير الشرعية والقوانين الاستثمارية،
بما يشمل حماية الأموال، وحمايتها من المخاطر، ومنع إساءة استخدامها أو تبديدها،
وضمان التزام المسؤولين بقيم النزاهة ومبادئ الشفافية والوضوح، وأنظمة الرقابة
والمساءلة والتدقيق.
مؤسسة إدارة
وتنمية أموال الأيتام
أولًا: الإطار القانوني والتشريعي
تأسس مجلس الأيتام الفلسطيني عام 2002 بمرسوم رئاسي، موحدًا
إدارة أموال الأيتام في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالاستناد إلى القانون الأردني لسنة
1972. وفي عام 2005 صدر القانون رقم (14) الذي أنشأ مؤسسة إدارة وتنمية أموال الأيتام
ككيان مستقل، قبل أن يخضع القانون لعدة تعديلات، كان آخرها القرار بقانون رقم (10)
لسنة 2023، الذي يشكل المرجعية القانونية السارية حاليًا.
يحدد هذا الإطار أهداف المؤسسة في الحفاظ على أموال الأيتام،
وتلبية احتياجاتهم المعيشية والسكنية والتعليمية والصحية، وإدارة الأموال وتنميتها
وفق أحكام الشريعة الإسلامية. كما ينظم مجالات الاستثمار المسموح بها، وآليات الصرف،
وتوزيع الأرباح، وتكوين الاحتياطيات المالية، ويخضع السجلات المالية للرقابة والتدقيق.
وينص القانون على أن تتم عمليات الصرف بموجب قسائم رسمية
مقيدة في سجلات المؤسسة، مع تخصيص ما لا يزيد على 5% من صافي الأرباح السنوية لحساب
الاحتياطي، وتوزيع الأرباح المتبقية على الأيتام وفق حصصهم، وتغطية أي خسائر محتملة
من الاحتياطي. كما تؤكد المادة (22) من القرار بقانون سريان قواعد الأموال العامة على
أموال المؤسسة، وإخضاعها لرقابة ديوان الرقابة المالية والإدارية، وحظر أي انتفاع شخصي
لأعضاء مجلس الإدارة أو العاملين، وإلزام المؤسسة بتقديم تقارير سنوية للجهات العليا،
إلى جانب إعفائها من الضرائب والرسوم.
ثانيًا: الإطار المؤسسي والتنظيمي
تتولى المؤسسة إدارة أموال الأيتام باستخدام أدوات استثمار
متعددة ومتوافقة مع الشريعة الإسلامية، من أبرزها التمويل بالمرابحة، والاستثمار في
الأسهم، خاصة أسهم البنوك وشركات التأمين الإسلامية، إضافة إلى الاستثمار في القطاع
العقاري من خلال شراء وبيع وتأجير الأراضي والمباني.
وتُدار المؤسسة من خلال مجلس إدارة يضم رئيسًا ونائبًا وأحد
عشر عضوًا يمثلون جهات رسمية مختلفة، إلى جانب أربعة أعضاء من القطاع الخاص من ذوي
الخبرة، مع تحديد مدة العضوية بأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. وتشرف الإدارة
التنفيذية، برئاسة مدير عام، على العمل اليومي من خلال عدة لجان متخصصة، من بينها لجنة
الشريعة، ولجنة التدقيق الداخلي، ولجنة المالية والاستثمار، ولجنة الإدارة. كما تعمل
المؤسسة عبر أربعة فروع جغرافية، ويبلغ عدد موظفيها 23 موظفًا.
ثالثًا: واقع النزاهة والشفافية
يُظهر التقرير أن الإطار القانوني العام يوفّر أساسًا مقبولًا
لحماية أموال الأيتام، إلا أن تطبيق قيم النزاهة المؤسسية لا يزال يعاني من
ثغرات واضحة. فالقانون لا يتضمن نصوصًا صريحة ومتكاملة تنظم تضارب المصالح أو قبول
الهدايا، باستثناء الحظر العام للانتفاع الشخصي من أموال الصندوق. ورغم وجود
قرارات وممارسات داخلية تهدف إلى الحد من تضارب المصالح، إلا أن أنظمة تضارب
المصالح والهدايا الصادرة عن مجلس الوزراء لم تُفعّل بشكل كامل، بسبب غياب اللجان
المختصة بتطبيقها.
كما أشارت تقارير رقابية إلى قصور في الضمانات التي
تكفل الحياد والاستقلالية في بعض الاستثمارات، خاصة في الحالات التي قد يكون لبعض
أعضاء مجلس الإدارة مصلحة مباشرة أو غير مباشرة فيها، ما يشكل خطرًا محتملًا على
نزاهة القرارات الاستثمارية.
رابعًا: الشفافية والإفصاح
من حيث الإفصاح، تُعد المؤسسة تقارير مالية مدققة وتقدمها
للجهات الرسمية المختصة، وتفصح بشكل عام عن مصادر مواردها ومجالات استثمارها. غير
أن مستوى الشفافية العامة لا يزال محدودًا، إذ لا تقوم المؤسسة بنشر موازناتها
للجمهور، ولا توفر نسخًا مبسطة ومفهومة للمستفيدين، ولا تعلن بوضوح عن سياساتها
الاستثمارية، خاصة المتعلقة باستثمار الأراضي.
كما أن الموقع الإلكتروني للمؤسسة، رغم تطويره الفني، لا
يتضمن تقارير دورية، أو بيانات مالية منشورة، أو قرارات مجلس الإدارة، الأمر الذي يقيّد
حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، ويحد من الرقابة المجتمعية.
خامسًا: المساءلة والرقابة
تخضع المؤسسة لمنظومة رقابية متعددة المستويات، تشمل الرقابة
الداخلية من خلال لجان التدقيق والمدقق الداخلي، والرقابة الخارجية عبر مدقق حسابات
مستقل، والرقابة الشرعية، إضافة إلى رقابة ديوان الرقابة المالية والإدارية. كما تُعد
تقارير مالية وإدارية دورية تُعرض على مجلس الإدارة وترفع إلى الجهات العليا.
إلا أن فعالية منظومة المساءلة تتأثر بغياب بعض السياسات
والأنظمة المعتمدة، مثل نظام شؤون الموظفين، وسياسات إدارة مخاطر الفساد، وعدم اعتماد
النظام الداخلي لمجلس الإدارة، ما يضعف من وضوح المسؤوليات، ويحد من القدرة على محاسبة
فعالة ومنتظمة.
توصيات التقرير
يخلص التقرير إلى أنه، رغم توفر إطار قانوني وتنظيمي عام
لإدارة وتنمية أموال الأيتام، لكنها
ليست محصنة بالحوكمة الكافية، حيث هناك فجوات ملموسة،
ما تزال قائمة في مجالات النزاهة المؤسسية،
والشفافية العامة، وتفعيل أدوات المساءلة. ويؤكد أن سد هذه الفجوات يتطلب الإسراع في
إقرار الأنظمة الداخلية، وتفعيل أنظمة تضارب المصالح والهدايا، وتوسيع نطاق نشر المعلومات
المالية والاستثمارية، وتعزيز آليات المساءلة المجتمعية، بما يعزز الثقة العامة، ويكفل
حماية أموال الأيتام وإدارتها على نحو أكثر كفاءة ونزاهة.
تعليقات
إرسال تعليق