تكلفة الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني:
نحو إطار علمي جديد
لتقدير الخسائر والمطالبة بالتعويضات، طالعت دراسة أعدها الباحثون: محمود الخفيف، ورجا الخالدي، وطارق صادق، بعنوان :
" The Cost of Israeli Settler-Colonial Occupation on the
Palestinian People"
والمنشورة في العدد
الاول من مجلة " AL- MUNTAQA " لشهر كانون ثاني – شباط
بداية هذا العام 2026، في إحدى أهم الدراسات الاقتصادية الفلسطينية في
السنوات الأخيرة، لأنها لا تقتصر على تحديث تقديرات الخسائر الاقتصادية الناجمة عن
الاحتلال الإسرائيلي، وإنما تقدم إطاراً منهجياً جديداً وأكثر شمولاً لقياس
التكلفة الاقتصادية للاحتلال والاستيطان، مع الانتقال من قياس ما خسره الفلسطينيون
إلى قياس ما حققته إسرائيل من مكاسب اقتصادية نتيجة سيطرتها على الأرض والموارد
الفلسطينية. وتستند الدراسة إلى مراجعة واسعة للأدبيات الاقتصادية منذ نكبة عام
1948 وحتى عام 2022، مع الاستفادة من أحدث الدراسات الصادرة عن المؤسسات الدولية،
وفي مقدمتها الأونكتاد.
تؤكد الدراسة منذ بدايتها أن التكلفة
الحقيقية للاحتلال، لا يمكن اختزالها في
قيم مالية، لأن هناك أضراراً إنسانية وسياسية وثقافية ونفسية لا يمكن قياسها
بالنقود، غير أن توثيق الخسائر الاقتصادية يظل ضرورياً لتقدير حجم الضرر، ووضع أسس
قانونية للمطالبة بالتعويضات، وتحديد متطلبات إعادة الإعمار والتنمية مستقبلاً.
ومن هذا المنطلق، ترى الدراسة أن الحسابات الاقتصادية لا تمثل ثمناً للاحتلال، بل
توثيقاً علمياً للأضرار التي لحقت بالشعب الفلسطيني نتيجة المشروع الاستيطاني.
وتستعرض الدراسة ثلاث منهجيات رئيسية
لتقدير تكلفة الاحتلال. الأولى هي منهجية التجميع التي تقوم على حصر
الممتلكات والأراضي والموارد المصادرة وتقدير قيمتها المالية. والثانية هي المنهجية
الافتراضية التي تقارن بين الأداء الاقتصادي الفعلي للاقتصاد الفلسطيني وبين
سيناريو افتراضي يفترض غياب الاحتلال، ومن ثم احتساب الفجوة باعتبارها خسارة
اقتصادية. أما الثالثة فهي منهجية قياس مكاسب الاحتلال، التي تقدر ما جناه
الاقتصاد الإسرائيلي من أرباح نتيجة استغلال الأراضي والموارد الفلسطينية، وهو
اتجاه بحثي حديث تعتبره الدراسة أكثر تعبيراً عن الطبيعة الاقتصادية للمشروع
الاستيطاني. وتشدد الدراسة على أن اختيار المنهجية يجب أن يرتبط بطبيعة المتغير
الاقتصادي المراد قياسه، مع تجنب ازدواجية احتساب الخسائر.
وفي مراجعتها التاريخية، تستعرض الدراسة
أبرز المحاولات التي قدرت خسائر نكبة عام 1948، بدءاً من تقديرات الأمم المتحدة،
مروراً بجامعة الدول العربية، ويوسف صايغ، وصولاً إلى دراسة عاطف قبروسي التي
تعتبرها الأكثر اكتمالاً من الناحية المنهجية. وتبين الدراسة أن اختلاف التقديرات
لم يكن ناتجاً عن تناقض في الوقائع، وإنما عن اختلاف في نطاق الأصول التي شملتها
كل دراسة، وأساليب تقييمها، واحتساب قيمتها الاقتصادية عبر الزمن. كما تشير إلى أن
معظم الدراسات القديمة ركزت على قيمة الممتلكات المصادرة، بينما أغفلت في كثير من الأحيان
العوائد الاقتصادية التي حُرم منها الفلسطينيون نتيجة فقدان تلك الأصول.
وتعتمد الدراسة تقديرات قبروسي كأساس
لإعادة احتساب خسائر النكبة حتى عام 2022، مستخدمة عاملين رئيسيين هما المحافظة
على القوة الشرائية للأموال عبر التضخم، واحتساب العائد الضائع على رأس المال
بافتراض معدل نمو سنوي متحفظ يبلغ 4%. وتخلص إلى أن الخسائر المادية التي بلغت نحو
2.99 مليار دولار بأسعار عام 1948 ارتفعت إلى نحو 718.9 مليار دولار بأسعار عام
2022، بينما ارتفعت القيمة الإجمالية للخسائر، بما في ذلك رأس المال البشري
والأضرار النفسية، إلى نحو 752.7 مليار دولار. وتوضح الدراسة أن هذا الارتفاع لا
يعود إلى التضخم فقط، وإنما إلى الفرصة الاقتصادية الضائعة الناتجة عن حرمان
الفلسطينيين من استثمار أصولهم على مدى أكثر من سبعة عقود.
أما بالنسبة لفترة ما بعد قيام السلطة
الفلسطينية، فتشير الدراسة إلى أن المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأونكتاد، طورت
أدوات أكثر دقة لقياس تكلفة الاحتلال، معتمدة على بناء سيناريوهات اقتصادية
افتراضية، وتقنيات حديثة مثل تحليل صور الإضاءة الليلية بالأقمار الصناعية لقياس
النشاط الاقتصادي في المنطقة (ج) والمستوطنات. ومن خلال هذه المنهجيات، تقدر
الدراسة أن الخسائر الاقتصادية التراكمية الناتجة عن حصار غزة، والقيود المفروضة
على الضفة الغربية، وحرمان الفلسطينيين من استغلال المنطقة (ج)، تجاوزت 176 مليار
دولار حتى عام 2022، وهو ما يعادل أكثر من أحد عشر ضعف الناتج المحلي الفلسطيني في
ذلك العام. كما تشير إلى أن تقديرات أخرى تناولت خسائر غياب السيادة الاقتصادية
وتسرب الإيرادات العامة، لكنها لم تضفها إلى هذا الرقم تجنباً لازدواجية الاحتساب.
وتبرز الدراسة بصورة خاصة الأثر
الاقتصادي للاستيطان على الموارد الطبيعية الفلسطينية، إذ تشير إلى أن الاحتلال
حال دون استغلال احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي قبالة شواطئ غزة، إضافة إلى
احتياطيات نفطية في الضفة الغربية، وهو ما حرم الاقتصاد الفلسطيني من موارد
استراتيجية كان يمكن أن تسهم في تعزيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين مستويات
المعيشة، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية. كما تؤكد أن السيطرة
الإسرائيلية على المنطقة (ج) لم تؤد فقط إلى مصادرة الأراضي، بل إلى تعطيل إمكانات
التنمية الفلسطينية لعقود طويلة.
وتتمثل الإضافة العلمية الأهم للدراسة
في انتقالها إلى تقدير المكاسب الاقتصادية التي حققتها إسرائيل نتيجة
الاحتلال والاستيطان. فبدلاً من الاقتصار على احتساب خسائر الفلسطينيين، توظف
الدراسة بيانات النشاط الاقتصادي في المستوطنات لتقدير القيمة التي أضافها المشروع
الاستيطاني إلى الاقتصاد الإسرائيلي. وتخلص إلى أن هذه المكاسب تراوحت، وفقاً
للافتراضات المستخدمة، بين 955 مليار دولار في التقدير المتحفظ،
و1.707 تريليون دولار في التقدير الموسع
خلال الفترة 2000–2022. وترى الدراسة أن هذه النتائج تؤكد أن الاحتلال لم يكن
عبئاً اقتصادياً على إسرائيل، بل مثل مصدراً مهماً للنمو الاقتصادي من خلال
استغلال الأرض والموارد الفلسطينية.
وتختتم الدراسة بالدعوة إلى بناء إطار
وطني فلسطيني موحد لتقدير التكلفة الاقتصادية للاحتلال، يدمج بين قيمة الأصول
المصادرة، والخسائر التنموية، والمكاسب الاقتصادية التي جناها الاحتلال، مع
الالتزام بمنهجية تمنع تكرار احتساب الخسائر. وترى أن هذا الإطار لا يهدف فقط إلى
إنتاج تقديرات اقتصادية أكثر دقة، بل إلى توفير أساس علمي وقانوني يدعم المطالبات
الفلسطينية بالتعويض وجبر الضرر في المحافل الدولية.
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تنقل
النقاش من مرحلة وصف آثار الاحتلال إلى مرحلة قياس تكلفته الاقتصادية
بمنهجية قابلة للاستخدام القانوني والدولي. كما أنها تكسر الصورة
التقليدية التي تركز على الخسائر الفلسطينية وحدها، لتبرز أن المشروع الاستيطاني
شكّل، وفق المنهجية المعتمدة، رافعة اقتصادية للاقتصاد الإسرائيلي.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الدراسة أن
الأرقام، مهما بلغت ضخامتها، لا تمثل سوى جزء من التكلفة الحقيقية للاحتلال، لأن
خسائر الهوية الوطنية، والتفكك الاجتماعي، والتهجير القسري، والحرمان من تقرير
المصير، تبقى خارج نطاق القياس الاقتصادي.
لذلك، فإن القيمة الحقيقية للدراسة لا
تكمن فقط في تقدير مئات المليارات من الدولارات، بل في تقديم مرجعية علمية
فلسطينية يمكن البناء عليها لتوحيد جهود المؤسسات الرسمية والأكاديمية، وتعزيز
الخطاب الفلسطيني في ملفات المساءلة الدولية، والتعويض، وجبر الضرر، باعتبار أن
التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان.

تعليقات
إرسال تعليق