عندما يصبح علم النبات أداةً للاستيطان!


 


إن الصراع على الأرض لا يجري دائماً بالسلاح والسياسة وحدهما؛ فقد يجري أيضاً عبر المختبر، والحديقة، والخريطة، والتصنيف العلمي، وحتى عبر الطريقة التي نعرّف بها النبات الذي ينمو على هذه الأرض!

تكشف دراسة بحثية حديثة باللغة الانجليزية (21-8-2026)،  للباحثة مونا بيلينغ (    Mona Bieling   ) بعنوان " صياغة رفقاء استعماريين: علم النبات الصهيوني في فلسطين، 1900–ثلاثينيات القرن العشرين" ، جانبًا مهمًا وأقل تناولًا من تاريخ المشروع الصهيوني في فلسطين: الدور الذي لعبه علم النبات والزراعة في خدمة مشروع الاستيطان،  وبناء دولة الاحتلال!

توضح الدراسة أن النباتات لم تكن بالنسبة للباحثين الصهاينة،  مجرد موضوع للبحث العلمي، بل أصبحت جزءًا من مشروع سياسي؛ فدراسة نباتات فلسطين،  وتصنيفها،  وجمعها،  وتطويرها،  ارتبطت بمحاولة زيادة إنتاجية الأرض، وتسهيل الاستيطان اليهودي، وبناء معرفة علمية تعزز الادعاء بالأرض!

 

القمح والحدائق النباتية بوصفهما " أنواعاً رفيقة " :

تستخدم الباحثة مفهوم " الأنواع الرفيقة"  لتوضيح الطريقة التي يمكن أن تتفاعل بها ثقافات الطبيعة مع مشاريع سياسية. وتستند إلى فهم آنا تسينغ الذي يرى أن القمح والحبوب أسهمت في " استئناس البشر" ودفعهم إلى الاستقرار في مجتمعات زراعية. أما الحدائق النباتية، فقد ساعدت تاريخياً على إنشاء مناظر طبيعية زراعية استعمارية ، من خلال جمع النباتات،  وتأقلمها مع بيئات جديدة،  وتوزيعها لخدمة أنظمة زراعية استعمارية ارتبطت بالتوسع الأوروبي!

القمح الفلسطيني:

يمثل عالم الزراعة آرون آرونسون أحد أبرز الأمثلة. فقد هاجر مع عائلته من رومانيا عام 1882، ضمن موجة الهجرة اليهودية الأولى التي شهدت إنشاء مستوطنات زراعية يهودية في فلسطين!

استطاع آرونسون أن يجعل أحد أنواع القمح الفلسطيني،  محوراً لأبحاث وعلاقات علمية دولية، ولا سيما مع الولايات المتحدة، مستفيداً من خصائص نسبت إليه في مقاومة الجفاف والحرارة والتربة الفقيرة. كما نجح في الحصول على تمويل أمريكي للبحوث النباتية في فلسطين العثمانية!

ومن خلال تقديم نفسه والقمح الفلسطيني باعتبارهما حلولاً محلية لمشكلة زراعية عالمية، عزز آرونسون جاذبية مشروعه العلمية والسياسية. فقد قُدم القمح الفلسطيني باعتباره نباتاً يمكن أن يساعد على إنجاح الاستيطان اليهودي في فلسطين، وفي الوقت نفسه يوفر حلولاً لمشكلة الأمن الغذائي الأمريكي. وبذلك أصبح القمح، وفق قراءة الباحثة، " نوعاً رفيقاً"  لمشروع الاستيطان، مستفيداً من خصائصه البيولوجية ومن كونه نباتاً أصلياً للأرض التي كان الصهاينة يطالبون بها!

ساهم هذا المسار في إنشاء محطة التجارب الزراعية في عتليت عام 1910 بتمويل من يهود أمريكيين، لتصبح أول مؤسسة منظمة للبحوث الزراعية والنباتية التي يديرها الصهاينة في فلسطين!

لكن الدراسة تطرح سؤالاً مهماً: هل كان القمح " مكتشفاً"  بالفعل؟

تحذر الباحثة من استخدام مفاهيم مثل " الاكتشاف"،  "وإعادة الاكتشاف"  و" القمح البري" ، لأنها قد تتجاهل المعارف،  والممارسات الزراعية الفلسطينية السابقة، وتضع المعرفة العلمية الغربية،  في موقع صاحب الحق في تسمية النبات وتصنيفه وتعريفه!

الحديقة النباتية في الجامعة العبرية:

في عام 1931 أُنشئت الحديقة النباتية في الجامعة العبرية بالقدس. ولم تكن وظيفتها علمية وتعليمية فقط، بل كان لها أيضاً بعد سياسي ورمزي. فقد ساعد جمع نباتات فلسطين ودراستها وتصنيفها داخل مؤسسة يهودية على تقديم فلسطين باعتبارها وحدة طبيعية متماسكة يمكن إنتاج المعرفة العلمية عنها، كما أظهر قدرة المجتمع العلمي اليهودي على بناء مؤسساته المستقلة!

وهنا تبرز إحدى أهم أفكار الدراسة: إن السيطرة على الأرض لا تمر بالاستيطان وحده، بل يمكن أن تمر أيضاً عبر السيطرة على المعرفة المتعلقة بها؛ فمن يدرس نباتاتها، ويسميها ويصنفها، ويحدد حدودها الطبيعية والعلمية، يشارك في صياغة صورة الأرض وتعريفها!

البعد الاستعماري للبحث النباتي:

توضح الدراسة أن العلماء اليهود-الصهاينة تفاعلوا مع تأثيرات استعمارية متعددة خلال المرحلة العثمانية ثم الانتداب البريطاني، وسعوا إلى بناء مشروعهم السياسي والعلمي من خلال علاقات وتحالفات مع أطراف مختلفة، كما شاركوا في جهود رسم الحدود وتحديدها!

وتستفيد الباحثة من مفهوم "علم النبات الاستعماري"  الذي وصفته لوندا شيبينغر وكلوديا سوان،  بأنه دراسة النباتات،  وتسميتها ، وزراعتها،  وتسويقها في السياقات الاستعمارية. فهذا المفهوم يكشف علاقات القوة الكامنة في إنتاج المعرفة، والأهداف العلمية،  والسياسية ، والأيديولوجية التي يمكن أن تقف خلف الممارسات النباتية!

الأرض والحديقة: حين تصبح الأرض جزءاً من المعركة

تكشف قصة إنشاء الحديقة النباتية البعد الأكثر حساسية في العلاقة بين العلم والأرض. فقد واجه المشروع مشكلة عدم توفر أرض مناسبة وقريبة من مباني الجامعة على جبل المشارف. وكان بعض علماء النبات مستعدين لقبول أرض غير مثالية من الناحية النباتية، لأن وجود الحديقة كان، في نظرهم، أهم من ملاءمة الأرض!

لكن الحصول على الأرض اصطدم بحقوق السكان الفلسطينيين. فقد أُبلغ رئيس الجامعة يهوذا ماغنس بأن الحكومة البريطانية لم تكن مستعدة آنذاك لمصادرة أراضي الفلسطينيين المحليين، وأن شراء 54 دونماً قد لا يكون ممكناً، وربما لا يتوفر سوى 36 دونماً بعد بذل جهود كبيرة لإقناع السكان المحليين!

وكان رد ماغنس كاشفاً عن الأولوية التي أعطاها للمشروع، إذ قال إن " الجامعة مهتمة أساساً بالحديقة النباتية وليس بعرب لفتا" !! وهكذا تظهر الأرض هنا ليس بوصفها مساحة محايدة للبحث العلمي، بل باعتبارها عنصراً أساسياً في بناء المؤسسة والمشروع الاستيطاني!

المعرفة الفلسطينية وحدود الحديقة:

كان إنشاء الحديقة أيضاً وسيلة لرسم حدود تتعلق بالمعرفة النباتية العربية الفلسطينية. فعلى الرغم من أن الحديقة ضمت نباتات تنمو في فلسطين، فإن المعرفة الفلسطينية المحلية لم تُدمج بصورة منهجية في تأسيسها، ولم يكن علماء النبات على اتصال وثيق بالسكان الأصليين ومعارفهم المتعلقة بالنباتات واستخداماتها!

وكان إفرايم هاريوفيني استثناءً نسبياً. فقد ارتبط بما سمي «علم النبات التوراتي»، وسعى إلى إعادة خلق المناظر الطبيعية التي وردت في الكتاب المقدس. وكان أكثر اتصالاً بالمعرفة الفلسطينية المحلية، من خلال زياراته للقرى العربية ودراسته طرق استخدام النباتات وزراعتها، بهدف التعرف بصورة أفضل إلى الغطاء النباتي في "الأرض المقدسة"  في العصور التوراتية!

لكن المفارقة أن المعرفة الفلسطينية،  التي استفاد منها هاريوفيني،  جرى التعامل معها غالباً باعتبارها " معرفة ثقافية"  لا " معرفة علمية" !، وهو تمييز يكشف بدوره عن موقع القوة في تحديد ما يُعتبر علماً وما يُعتبر مجرد معرفة محلية!

من الحديقة إلى رسم الخريطة والحدود:

لم تكن أعمال علماء النبات منفصلة عن الأهداف السياسية للحركة الصهيونية خلال فترة الانتداب،  ففي عام 1937 طُلب من عالم النبات أيغ الإدلاء بشهادته أمام لجنة بيل حول قدرة فلسطين على استيعاب أعداد إضافية من السكان، وهي مسألة ترتبط بإمكانية زيادة الهجرة اليهودية. كما طُلب منه إعداد خريطة يمكن أن تدعم المطالبات الصهيونية بفلسطين على المستوى الدولي!

وهكذا لم تكن الحديقة النباتية مجرد مؤسسة علمية؛ فقد ارتبط أحد أهدافها الرئيسية بإقامة حدود تبدو طبيعية للخبرة اليهودية وللأمة اليهودية في أرض فلسطين. وأصبحت الطبيعة نفسها مجالاً لتجسيد هدف سياسي يتمثل في بناء الهوية الصهيونية والأمة!(حسب الباحثة في الدراسة)!

تكشف دراسة تاريخ علم النبات في فلسطين أن العلم والزراعة والطبيعة،  لم تكن مجالات منفصلة عن السياسة والاستيطان، بل تداخلت معها في بناء المشروع الصهيوني! فالقمح الفلسطيني أصبح موضوعاً للبحث والتمويل والعلاقات العلمية الدولية،  بما يخدم نجاح الاستيطان!،  والحديقة النباتية أصبحت مؤسسة تجمع وتصنف وتعيد تعريف نباتات فلسطين! ، بينما تحولت الأرض اللازمة لإنشائها إلى قضية تتعلق بحقوق السكان الفلسطينيين!

والأهم أن الدراسة تلفت الانتباه إلى أن الاستيطان لا يعمل فقط من خلال السيطرة المادية على الأرض، بل أيضاً من خلال إنتاج المعرفة عنها، وتسميتها وتصنيف طبيعتها ورسم حدودها!

ومن هذه الزاوية، يصبح تاريخ علم النبات في فلسطين جزءاً من تاريخ أوسع للاستيطان؛ تاريخ تتقاطع فيه الأرض،  والنبات،  والعلم،  والمؤسسة،  والهوية ، والسلطة، بحيث يمكن للطبيعة نفسها أن تتحول إلى أداة في مشروع سياسي يسعى إلى تثبيت وجوده وعلاقته بالأرض!

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

لجان الزكاة في الضفة الغربية 2025 ، بين الثقة الاجتماعية، وفجوات الحوكمة!