التراث كفعل مقاومة: كيف يُعاد تشكيل المكان والهوية في كفر عقب - القدس

 

 


طالعت ورقة بحثية باللغة الانجليزية ، نشرت بتاريخ 26-6-2026  في المجلة الدولية لدراسات التراث (International Journal of Heritage Studies) ، تحت عنوان " استعادة التراث الثقافي الفلسطيني في ظل الاستعمار الاستيطاني: الممارسات القاعدية في كفر عقب – القدس" بقلم الباحثة كلوديا فلاد ، عن دائرة علم الاجتماع في جامعة University College Dublin  ، في دبلن - ايرلندا..، علما بأنها تعمل في جامعة لندن، دائرة التاريخ ..(تاريخ الفن وعلم الاثار)...وقد وردتني هذه الدراسة بواسطة الدكتورة المعروفة  سريماتي ميتر ، صاحبة رسالة الدكتوراة  من جامعة هارفارد في عام 2014، بعنوان " تاريخ الاموال في فلسطين  من عام 1900 ولغاية الان"

أدرج تاليا ملخصا لأهم ما ورد بهذه الورقة البحثية عن  كفر عقب – القدس،  ومركز  رواق ، بقلم الباحثة كلوديا فلاد  :

تركّز هذه الدراسة على جهود إعادة التأهيل،  والأنشطة الثقافية التي تنفذها المؤسسة الفلسطينية غير الحكومية،  رواق في المركز التاريخي لبلدة كفر عقب. وتُوصَف كفر عقب بأنها الحدود المتبقية لمدينة القدس وحيّز استثنائي من حيث الواقعين الجغرافي والقانوني (، فهي أكبر الأحياء الفلسطينية الواقعة في شمال القدس الشرقية وأقصاها شمالًا، وتبعد نحو 4 كيلومترات عن مدينة رام الله و14 كيلومترًا عن البلدة القديمة في القدس.

وقد ضمّت إسرائيل الحي عام  1967  ، مع  بقية مناطق القدس الشرقية، إلا أنه عُزل لاحقًا عن مركز المدينة بصورة مادية ، بعد بناء جدار الفصل في مطلع العقد الأول من من القرن الحالي ، وأصبح الوصول إلى القدس يقتصر على المرور عبر حاجز قلنديا، الأمر الذي جعل كفر عقب جيبًا جغرافيًا وقانونيًا؛ فهي تقع جغرافيًا داخل الضفة الغربية، لكنها تظل إداريًا تابعة لبلدية القدس

وقد أفضى هذا الوضع الفريد إلى نشوء فراغ في الحوكمة والإدارة؛ إذ انسحبت بلدية الاحتلال الإسرائيلي من تقديم الخدمات الأساسية، في حين أسهم المقاولون الفلسطينيون، في ظل غياب الرقابة والتنظيم، في نشوء ما وُصف بـ " غابة من الإسمنت"  نتيجة التوسع العمراني الكثيف وغير المنظم ، كما أصبحت كفر عقب،  بمثابة ملاذ ديموغرافي للفلسطينيين المقدسيين. فبسبب سياسة «مركز الحياة» التي طُبقت عام 1995، إلى جانب تعليق إجراءات لمّ شمل الأسر، اضطر العديد من الفلسطينيين إلى الإقامة في كفر عقب ، للحفاظ على حقهم في الإقامة المقدسية، مع تمكنهم في الوقت نفسه من العيش مع أزواجهم،  أو زوجاتهم الفلسطينيين،  الذين لا يحملون هوية القدس ، وقد أدى ذلك إلى تضخم عدد سكان البلدة بصورة غير مسبوقة، إذ ارتفع من نحو 15 ألف نسمة عام 2010 إلى أكثر من 80  ألف نسمة بحلول عام 2015

 

تؤكد  الدراسة أنه في قلب المشهد الفلسطيني المعاصر، لم يعد التراث مجرد بقايا حجرية من الماضي أو معالم تُعرض في كتب التاريخ والمتاحف. بل أصبح ساحة صراع حيّة تُعاد فيها صياغة الهوية والمكان تحت ضغط الاستعمار الاستيطاني. في كفر عقب، شمال القدس، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح، حيث يتحول التراث من مفهوم تقليدي إلى أداة يومية للصمود وإعادة إنتاج الوجود.

ينطلق هذا التحول من نقد ما يُعرف بـ“خطاب التراث المُعتمد”، وهو الإطار السائد عالميًا الذي تحدده مؤسسات دولية وخبراء آثار، ويركّز على المعالم الكبرى والرموز التاريخية “المهيبة”، بينما يُهمّش الحياة اليومية والقرى والذاكرة الشعبية. في الحالة الفلسطينية، ينعكس هذا الخطاب في التركيز المكثف على البلدة القديمة في القدس، مقابل تهميش المناطق الريفية والمحيطة التي تشكل النسيج الحقيقي للحياة الفلسطينية.

كفر عقب تمثل نموذجًا صارخًا لنتائج هذا التهميش المتقاطع مع واقع الاستعمار الاستيطاني. فالحي، رغم أنه يقع إداريًا ضمن حدود بلدية القدس، إلا أنه معزول فعليًا عنها بجدار الفصل والحواجز العسكرية. هذا الانفصال خلق حالة فريدة من الفوضى العمرانية، وغياب التخطيط، وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب كثافة سكانية مرتفعة جعلت المنطقة واحدة من أكثر فضاءات القدس هشاشة وتعقيدًا.

لكن في قلب هذا الواقع، تظهر مبادرات ثقافية،  تحاول إعادة تعريف معنى التراث ودوره.، مؤسسة “ مركز رواق” تقف في طليعة هذه الجهود، من خلال مشاريع لا تكتفي بحماية المباني القديمة، بل تعيد التفكير في وظيفة التراث نفسه. فبدل أن يكون التراث رمزًا ثابتًا للماضي، يتحول إلى ممارسة حية مرتبطة بالناس وحياتهم اليومية.

أحد أهم هذه التحولات يتمثل في التركيز على الذاكرة الشفوية والتجارب اليومية بدل السرديات الوطنية الرسمية. من خلال توثيق قصص القرى، وحكايات كبار السن، وتجارب النساء والعائلات، يتم بناء سردية بديلة للهوية الفلسطينية، لا تنطلق من الرموز الكبرى فقط، بل من تفاصيل الحياة العادية. هذا التحول يعيد توزيع مركزية التاريخ، ويمنح الهامش صوتًا طالما تم تهميشه.

إلى جانب ذلك، تعمل مشاريع إعادة رسم الجغرافيا على تفكيك الواقع المفروض على الأرض. عبر خرائط بديلة لريف القدس، يتم إعادة وصل القرى ببعضها البعض، وتخيل الجغرافيا الفلسطينية كوحدة مترابطة رغم الجدار والحواجز. هذه الخرائط لا تُستخدم فقط كأدوات توثيق، بل كأدوات مقاومة رمزية تعيد تشكيل الوعي بالمكان، وتعيد الاعتبار للترابط التاريخي بين القرى والمدينة.

في موازاة ذلك، يقدم مفهوم “إزالة التدهور” مقاربة مختلفة تمامًا للتعامل مع المباني التاريخية. فبدل تحويلها إلى مواقع أثرية جامدة أو متاحف مغلقة، يتم إعادة استخدامها كفضاءات اجتماعية وثقافية حية. هنا يصبح التراث جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد مشهد للمشاهدة. وتتحول المباني القديمة إلى مراكز للقاء، والتعليم، والنشاط المجتمعي، بما يعزز حضور السكان في أماكنهم رغم كل أشكال العزل والتهميش.

هذا التوجه يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان. فالتراث لا يعود قيمة في ذاته فقط، بل يصبح نتيجة لممارسات يومية: الحركة، واللقاء، والسرد، والمشاركة. وبهذا المعنى، تتحول كفر عقب من منطقة مهمشة إلى فضاء لإنتاج المعنى والهوية في آن واحد.

لكن هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للاحتلال والاستعمار الاستيطاني، الذي يسعى إلى تفكيك المكان الفلسطيني وإعادة تشكيله عبر السيطرة على الحركة والموارد والحدود. في هذا السياق، يصبح البقاء في الأرض فعل مقاومة بحد ذاته، ويصبح التراث جزءًا من منظومة “الصمود” التي تحافظ على الوجود الفلسطيني في مواجهة محاولات الإزالة.

على المستوى الدولي، يتم أيضًا توظيف خطاب حقوق الإنسان في عرض هذه التجارب، كما حدث في مشاركات فنية ومعمارية في منصات عالمية. غير أن هذا الخطاب غالبًا ما يختزل الفلسطينيين في صورة الضحية. ولذلك، تسعى هذه المبادرات إلى إعادة توجيه السردية نحو إبراز الفلسطيني كفاعل، وصانع للمعنى، ومنتج للتراث، لا مجرد موضوع للمعاناة.

في هذا الإطار، يتحول التراث إلى ما هو أبعد من حفظ الماضي. إنه أداة لإعادة تخيل المستقبل، وإعادة بناء العلاقة مع الأرض، وإنتاج أشكال جديدة من الانتماء. وبينما يواصل الاستعمار الاستيطاني إعادة تشكيل الجغرافيا والسيطرة عليها، تعمل هذه المبادرات على إعادة تشكيل الوعي بالمكان، من الأسفل، ومن داخل الحياة اليومية نفسها.

في كفر عقب، لا يُحفظ التراث في المتاحف، بل يُمارس في الشوارع، والمنازل، واللقاءات اليومية. وهنا تحديدًا تكمن قوة هذا النموذج: في تحويل ما هو مُهمّش إلى مركز، وما هو منسي إلى أداة مقاومة، وما هو مادي إلى فعل حيّ لإعادة إنتاج الوجود!

بهذا المعنى، يصبح التراث الفلسطيني ليس فقط ذاكرة للماضي، بل مشروعًا مفتوحًا للحاضر والمستقبل—مشروعًا يعيد تعريف معنى أن يكون الإنسان حاضرًا في مكان يُعاد تشكيله باستمرار تحت شروط غير متكافئة.

التراث ليس ذاكرة فقط... بل فعل مقاومة

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة