عندما تتحول العملة إلى أداة ضغط سياسي
أزمة فائض الشيكل في فلسطين في ظل بروتوكول باريس
الاقتصادي
ليست أزمة فائض الشيكل في فلسطين أزمة سيولة تقليدية ناجمة عن نقص النقد، بل
هي نقيض ذلك تمامًا؛ إذ تتمثل في تراكم كميات ضخمة من الشيكل داخل الاقتصاد
الفلسطيني دون قدرة الجهاز المصرفي على إعادة تدويرها إلى الجهة المصدرة للعملة.
ومن هنا، فإن ما يبدو ظاهريًا مشكلة مصرفية هو في جوهره انعكاس لاختلال أعمق يتمثل
في غياب السيادة النقدية الفلسطينية، وتحول العملة إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي.
خلال العامين الأخيرين، واجه المواطنون والتجار والشركات واقعًا غير مسبوق،
بعدما بدأت بعض البنوك تفرض قيودًا على إيداع الشيكل، سواء نقدًا أو عبر الشيكات،
أو تؤجل استقبال الإيداعات، أو تحدد سقوفًا يومية وأسبوعية. وقد ولّد ذلك حالة من
القلق لدى المتعاملين، وأثار تساؤلات حول سلامة النظام المصرفي، في حين أن البنوك
نفسها أصبحت ضحية أزمة هيكلية تتجاوز قدرتها على المعالجة.
تعود جذور الأزمة إلى بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، الذي ربط
الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي ضمن اتحاد نقدي غير مكتمل. فقد منح
البروتوكول الشيكل مكانة العملة الرئيسة المتداولة في السوق الفلسطينية، بينما
بقيت السيطرة الفعلية على السياسة النقدية وإدارة العملة بيد إسرائيل. وكان من
المفترض أن تستمر آلية إعادة فائض الشيكل إلى البنوك الإسرائيلية بصورة طبيعية،
إلا أن هذه الآلية تعرضت خلال السنوات الأخيرة لقيود متزايدة، أدت إلى تراكم
مليارات الشواكل داخل خزائن البنوك الفلسطينية.
هذا التراكم لا يمثل مجرد مشكلة لوجستية، بل يفرض على البنوك أعباء مالية
وتشغيلية وأمنية كبيرة، نتيجة الاحتفاظ بأموال لا يمكن استثمارها أو التخلص منها
بسهولة، فضلاً عن امتلاء الخزائن وارتفاع تكاليف الحماية والنقل والتأمين. ولذلك
اضطرت البنوك إلى الحد من استقبال المزيد من النقد، ليس رغبة في التضييق على
العملاء، وإنما نتيجة عجزها عن استيعاب كميات إضافية من الشيكل.
غير أن آثار الأزمة لم تتوقف عند القطاع المصرفي، بل امتدت إلى مختلف مفاصل
الاقتصاد الفلسطيني. فقد أصبحت قطاعات التجارة، والمحروقات، والمطاعم، والنقل،
وأسواق الجملة والتجزئة تتعامل يوميًا مع فوائض نقدية يصعب إيداعها، بينما وجد
المواطن نفسه عاجزًا عن استخدام عملة قانونية بصورة طبيعية داخل النظام المصرفي.
وهذا الواقع يهدد الثقة بالقطاع المالي، ويؤثر في النشاط الاقتصادي والاستثمار،
ويزيد من كلفة ممارسة الأعمال.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن بعدها السياسي. فالتحكم في حركة الشيكل يمنح
إسرائيل أداة فعالة للتأثير في الاقتصاد الفلسطيني دون الحاجة إلى اتخاذ قرارات
مباشرة. فمجرد تقييد إعادة فائض النقد يكفي لإرباك البنوك والأسواق وإضعاف
السيولة، وهو ما يجعل العملة نفسها وسيلة ضغط اقتصادي تتجاوز وظيفتها التقليدية
كأداة للتبادل!
وفي المقابل، تعمل سلطة النقد الفلسطينية ضمن صلاحيات محدودة، إذ إنها تشرف
على الجهاز المصرفي، لكنها لا تمتلك أدوات السياسة النقدية الكاملة. فهي ليست
بنكًا مركزيًا بالمعنى المتعارف عليه، ولا تملك إصدار عملة وطنية، أو إدارة سياسة
نقدية مستقلة، أو تحديد أسعار الفائدة، أو العمل كمقرض أخير للبنوك. ومن ثم، فإن
قدرتها على معالجة الأزمة تقتصر على إجراءات تخفيفية، مثل التفاوض مع الجانب
الإسرائيلي لزيادة سقوف نقل النقد، وتحسين إدارة السيولة، وتشجيع وسائل الدفع
الإلكتروني.
ويطرح كثيرون سؤالًا مشروعًا: لماذا لا تصدر فلسطين عملة وطنية؟ والإجابة أن
العقبة ليست تقنية بقدر ما هي قانونية وسيادية. فبروتوكول باريس لم يمنح السلطة
الفلسطينية صلاحيات إصدار النقد، وإنما أنشأ سلطة نقدية ذات اختصاصات رقابية
وتنظيمية، مع إبقاء أدوات السياسة النقدية خارج نطاق ولايتها.
وفي السياق ذاته، برزت فكرة إصدار عملة رقمية فلسطينية باعتبارها مخرجًا
محتملًا للأزمة. غير أن هذه الفكرة، رغم أهميتها الاستراتيجية، لا تمثل حلًا
مباشرًا لمشكلة فائض الشيكل. فالنصوص التي تحكم بروتوكول باريس لا تتناول العملات
الرقمية لأنها سبقت ظهورها، إلا أن أي عملة رقمية تؤدي وظيفة العملة الوطنية، قد تُعد عمليًا تجاوزًا للإطار الذي رسمه
البروتوكول، فضلًا عن أنها ستواجه تحديات تتعلق بالاعتراف بها داخل منظومة المقاصة
والتعاملات المالية!
والأهم من ذلك أن الأزمة الحالية، لا تتعلق بوسيلة الدفع، وإنما بإعادة تدوير
العملة نفسها. فحتى إذا أصبحت جميع المدفوعات إلكترونية، فإن الشيكل سيظل أساس
التسويات التجارية، بحكم اعتماد الاقتصاد الفلسطيني عليه، وارتباطه الوثيق
بالاقتصاد الإسرائيلي، الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من التجارة الفلسطينية، سواء
في الواردات أو الصادرات. وبالتالي فإن الرقمنة، رغم أهميتها، لن تزيل سبب تراكم
الشيكل داخل الجهاز المصرفي!
ومن هنا، فإن معالجة الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من السياسات، تشمل التفاوض مع
الجانب الاسرائيلي، لزيادة سقوف إعادة
فائض الشيكل، وتنويع العملات المستخدمة في التجارة الخارجية، والتوسع في أنظمة
الدفع الإلكتروني، وتطوير منصة فلسطينية للمدفوعات الرقمية، ودراسة إنشاء رمز رقمي
حكومي للتسويات الداخلية دون اعتباره بديلًا قانونيًا للعملات المتداولة، إلى جانب
مواصلة العمل على تعزيز الاستقلال النقدي متى توفرت الظروف القانونية والسياسية
المناسبة.
وفي هذا الشأن ، نشير الى تفاصيل
بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع في عام 1994، ومن استعراض بنود الاتفاقية
الاقتصادية، فاننا نجد أنه لا يوجد بالاساس، أي مرجعية دولية للتحكيم او الوساطة
في حل اي نزاع ينشب بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي.بموجب هذه الاتفاقية
الاقتصادية...وانما توجد اداة في بنود
البروتوكول ، للمساعدة في حل اي نزاعات بين الطرفين، وهي انشاء الية تسمى اللجنة الاقتصادية المشتركة (JEC): والتي
تنص المادة الاولى من البروتوكول، على
تشكيل هذه اللجنة لمعالجة وحل المشاكل، وتفسير البنود المتعلقة بتنفيذ الاتفاقية، وتشترط قرارات اللجنة موافقة
الطرفين معاً (أي بـالتوافق)، وهو ما يعني عملياً قدرة أي طرف على تعطيل القرارات
التي لا توافقه! اذ تخضع بدرجة كبيرة لموازين القوة السياسية، وليس فقط للقواعد القانونية للاتفاق!
وحقيقة الامر أن اجتماعات هذه اللجنة قد عُطلت أو جُمّدت منذ
سنوات طويلة (خاصة بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام
2000 )، مما جعل الجانب الإسرائيلي يتحكم في كثير من القضايا المالية
والاقتصادية (مثل أموال المقاصة) بشكل منفرد وإلزامي، في ظل غياب آلية تحكيم مستقلة في باريس، جعل كثيرًا من أدوات السياسة الاقتصادية
الفلسطينية، مرتبطة بقرارات الطرف الآخر
أكثر من ارتباطها بإدارة اقتصادية فلسطينية مستقلة، وقد تحولت العلاقة بين الطرفين
في غياب مرجعية دولية، من "تنسيق اقتصادي" إلى "إدارة أحادية
" ، حيث في الواقع، مع اختلال موازين
القوة، أصبحت إسرائيل تملك أدوات تنفيذية واسعة، خصوصًا لأنها تسيطر على: المعابر، و الجمارك، و حركة التجارة، وتسجيل
الواردات و النظام المصرفي المرتبط بالشيكل!
أي أن الخلافات بين الطرفين ، تُترك أساسًا إلى: التفاوض المباشر بين الطرفين، أو اللجنة الاقتصادية المشتركة. وفي
الإطار السياسي الأوسع اذا توفر، ، تدخلات دولية غير ملزمة غالبًا من أطراف مثل
الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، لكن هذه التدخلات ليست
جزءًا قانونيًا ملزمًا من بروتوكول باريس. علما بأن بروتوكول باريس لم يمنح إسرائيل حقًا مطلقًا في
التصرف بالأموال، لكنه أيضًا لم ينشئ ضمانات مؤسسية قوية لمنع الاستخدام السياسي
لهذه الأدوات!
فبالتالي، يمكن وبضغط دولي فاعل، إعادة
تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة ، ولكن بصلاحيات واضحة، وجدول اجتماعات ملزم. كما يمكن إضافة آلية تحكيم مستقلة بموافقة
الطرفين، مثل:
لجنة خبراء دوليين. أو تحكيم تجاري دولي. واعطاء دور أكبر لمؤسسات مثل البنك الدولي أو
الاتحاد الأوروبي كمراقبين وضامنين.
اذ يمكن
إعادة التفاوض حول بروتوكول باريس بما يتناسب مع واقع الاقتصاد الفلسطيني الحالي، وبتدخل
وسطاء دوليين مثل الاوروبيين....لأن الاتفاق صُمم لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات
تقريبًا، وليس كإطار دائم استمر أكثر من ثلاثة عقود!
هذا وقد شُكلت خلال السنوات الماضية لجان وطنية من الخبراء لدراسة حلول
مبتكرة لهذه الأزمة، كما واصلت سلطة النقد جهودها للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي،
إلا أن النتائج الملموسة ما تزال محدودة، بينما تتزايد القيود المفروضة على
إيداعات الشيكل وتتسع آثارها في السوق.
إن جوهر الأزمة لا يكمن في نقص التكنولوجيا أو ضعف الخبرات، ففلسطين تمتلك
كفاءات مصرفية وتقنية واقتصادية عالية، وإنما في غياب السيادة النقدية. ولذلك، لا
ينبغي النظر إلى العملة الرقمية الفلسطينية بوصفها علاجًا فوريًا لأزمة فائض
الشيكل، بل باعتبارها جزءًا من رؤية استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز
المرونة الاقتصادية، وتوسيع هامش القرار المالي الفلسطيني، وبناء مقومات سياسة
نقدية أكثر استقلالًا عندما تسمح الظروف السياسية والقانونية بذلك!
في النهاية، تكشف أزمة فائض الشيكل أن الاقتصاد الذي يستخدم عملة لا يصدرها،
ولا يتحكم في حركتها، يبقى عرضة للاهتزاز كلما تغيرت الاعتبارات السياسية للطرف
الذي يملك مفاتيح تلك العملة. ومن هنا، فإن أزمة الشيكل ليست مجرد أزمة مصرفية، بل
قضية سيادة اقتصادية بامتياز، لن تُحل بالوسائل التقنية وحدها، وإنما بإعادة النظر
في الإطار الذي يحكم العلاقة النقدية والاقتصادية بين فلسطين وإسرائيل.
رائع
ردحذف