عقود المياومة في القطاع العام... عندما تتحول الاستثناءات إلى قاعدة!

 

 

عباءة الالتفاف على القوانين والانظمة الناظمة!


إن بناء إدارة عامة كفؤة لا يبدأ بكثرة التعيينات، بل يبدأ بالالتزام بالقانون، واحترام مبدأ الجدارة، وترسيخ المساواة بين المواطنين في الوصول إلى الوظيفة العامة، فهذه هي الركائز الأساسية للحكم الرشيد، وحماية المال العام، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

ليست المشكلة في عدد الموظفين الذين تم تعيينهم، ولا في أسماء الوزارات أو المؤسسات، بل في السؤال الأكثر أهمية: هل أصبحت الاستثناءات هي القاعدة في التوظيف الحكومي؟ فقد كشف تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية السنوي للعام 2025 ، والمنشور بتاريخ 8-7-2026 ،       بشأن التعيينات على بند العقود والمياومة في مؤسسات دولة فلسطين (2020–2023) ومن خلال تدقيق امتثال شمل (14) وزارة وهيئة حكومية، عن وجود اختلالات جوهرية في منظومة التعيين على بند العقود والمياومة، أظهرت أن هذه الآلية لم تعد تُستخدم لتغطية احتياجات مؤقتة أو موسمية كما قصدها المشرع، وإنما تحولت في العديد من الحالات إلى مسار موازٍ للتوظيف الدائم، خارج الضوابط القانونية والإجرائية التي تحكم شغل الوظائف العامة.

وشملت أعمال التدقيق مراجعة إجراءات التعيين على بند العقود، وعقود المياومة، والخبراء، وعقود المشاريع، وتمديد الخدمة، إضافة إلى تثبيت بعض الموظفين خلال الفترة (2020–2023).

أظهرت بيانات وزارة المالية وجود 17,657 عقد عمل خلال الفترة محل التدقيق، توزعت على:

  • 10,550 عقد مياومة (59%)
  • 6,949 عقداً عبر ديوان الموظفين العام (39.35%)
  • 158 عقد مشاريع (0.9%)

وتشير هذه الأرقام إلى أن التعيين على بند المياومة أصبح يشكل النسبة الأكبر من التعيينات الحكومية، رغم غياب إطار قانوني متكامل ينظم هذا النوع من التوظيف.

ثانياً:

ومن أبرز الاختلالات الرقابية ، خلص الديوان إلى أن العديد من الوزارات والهيئات،  لم تلتزم بالقوانين والأنظمة الناظمة للتوظيف العام، حيث برزت مجموعة من الممارسات التي تمثل التفافاً على التشريعات النافذة، من أبرزها:

  • غياب قانون أو نظام خاص ينظم التعيين على بند المياومة، الأمر الذي خلق فراغاً تشريعياً واسعاً استُخدم في التوسع بهذا النوع من التوظيف دون ضوابط واضحة.
  • استمرار تشغيل موظفين بعقود مؤقتة لسنوات طويلة، بما يفقد هذه العقود طبيعتها المؤقتة، ويحولها عملياً إلى وسيلة للتعيين الدائم خارج الإجراءات القانونية.
  • تعيين موظفين بعقود لشغل وظائف دائمة مدرجة أصلاً على جدول تشكيلات الوظائف، خلافاً لقانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية.
  • عدم التزام العديد من المؤسسات بجداول تشكيلات الوظائف سواء من حيث عدد الوظائف المعتمدة أو المسميات الوظيفية أو أماكن التعيين.
  • الاعتماد بصورة واسعة على الاستثناءات الصادرة عن مجلس الوزراء في عمليات التعيين والتثبيت، بما حدّ من تطبيق الإجراءات التنافسية الطبيعية للتوظيف.
  • إجراء تعيينات مباشرة على بند المياومة دون الإعلان الخارجي عن الوظائف، والاكتفاء بإعلانات داخلية أو التعيين المباشر، الأمر الذي قيد المنافسة وأخل بمبدأ تكافؤ الفرص المكفول دستورياً.
  • تثبيت عدد من موظفي المياومة في وظائف دائمة دون فتح باب المنافسة العامة، رغم أن الوظائف أصبحت بطبيعتها وظائف دائمة يجب أن تكون متاحة لجميع المواطنين وفقاً لمبدأ المساواة في تولي الوظائف العامة.
  • وجود تفاوت بين بيانات وزارة المالية والواقع الفعلي للتعيينات، حيث تبين وجود موظفين على بند المياومة يتم تمويلهم من موازنات بعض المؤسسات،  دون أن يظهروا في قواعد بيانات وزارة المالية، بما يضعف كفاءة الرقابة على التوظيف العام.
  • تجاوز عدد التعيينات الفعلية،  للأعداد المعتمدة في جداول التشكيلات في عدد من المؤسسات الحكومية.
  • تعيين خبراء بصورة مباشرة ، دون إعلان أو منافسة أو لجان مقابلات، مع عدم استيفاء بعضهم لشروط الخبرة المنصوص عليها في نظام الخبراء رقم (10) لسنة 2021.
  • إبرام عقود للقيام بمهام تعتبر في الأصل وظائف دائمة موجودة ضمن الهياكل التنظيمية للوزارات، بما يتعارض مع الغاية التي أنشئت من أجلها عقود الخبراء والأعمال المؤقتة.
  • تنفيذ بعض التعيينات رغم قرارات وقف التعيينات الصادرة خلال الأزمة المالية، بما يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بالقرارات المالية والإدارية الناظمة.

-          وفي  ما ظهر من  دلالات رقابية ، تكشف نتائج التدقيق أن الإشكالية لا تقتصر على مخالفات إجرائية متفرقة، وإنما تعكس وجود خلل مؤسسي في إدارة الموارد البشرية الحكومية، يتمثل في توسع استخدام العقود المؤقتة لسد احتياجات دائمة، بما يؤدي إلى تجاوز منظومة التوظيف القائمة على الإعلان المفتوح والمنافسة والجدارة.، كما أن استمرار هذا الواقع يضعف مبادئ الشفافية والمساءلة، ويؤثر على عدالة الوصول إلى الوظيفة العامة، ويحد من قدرة الجهات الرقابية على تتبع وإحكام الرقابة على الإنفاق العام وإدارة الموارد البشرية.

-         ركزت توصيات الديوان على ضرورة إعادة ضبط منظومة التوظيف المؤقت من خلال:

  • إصدار إطار قانوني واضح ينظم التعيين على بند المياومة.
  • إلزام جميع المؤسسات بالالتزام بجداول تشكيلات الوظائف.
  • حصر وضبط جميع تعيينات المياومة ضمن قاعدة بيانات موحدة تشرف عليها وزارة المالية وديوان الموظفين العام.
  • ضمان الإعلان العلني عن جميع الشواغر وفتح المنافسة أمام المواطنين تحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص.
  • تنظيم تعيين الخبراء وفق معايير مهنية واضحة، والالتزام الكامل بشروط الخبرة والكفاءة.
  • مواءمة الاحتياجات الوظيفية مع دراسات فعلية للاحتياج، وعدم استخدام العقود المؤقتة كبديل عن التوظيف الدائم.
  • معالجة أوجه التباين بين البيانات المالية والواقع الفعلي للتعيينات، وتعزيز الرقابة على مختلف أشكال التوظيف الحكومي.

·         في الحقيقة ،  يكشف التقرير ، أن التوسع في استخدام عقود المياومة والعقود المؤقتة،  خلال السنوات الأخيرة،  تجاوز في كثير من الحالات الغاية التي أُنشئت من أجلها هذه العقود، وتحول إلى آلية موازية للتوظيف العام خارج الضوابط المعتادة. وتؤكد نتائج الديوان أن معالجة هذه الاختلالات لا تقتصر على تصويب المخالفات الفردية، بل تتطلب إصلاحاً تشريعياً وإدارياً شاملاً يعيد تنظيم التوظيف الحكومي على أسس الشرعية والشفافية وتكافؤ الفرص والاحتياج الفعلي، بما يعزز كفاءة الإدارة العامة ويحافظ على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.!

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة