تقارير ديوان الرقابة... لماذا تتكرر الأخطاء ولا يتغير الواقع؟

 


كفاءة الادارة العامة للدولة

بعد سنوات طويلة من متابعة تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية،  وتلخيصها،  وعرض أبرز ما جاء فيها للرأي العام، بدأ يراودني سؤال يصعب تجاهله: هل ما زال نشر هذه التقارير يحدث الأثر الذي أنشئ الديوان من أجله؟

يرفع الديوان شعار "إحداث الفارق في حياة المواطنين"، ويبذل جهداً رقابياً كبيراً؛ فهو يشرف على آلاف الجهات الخاضعة لرقابته، ويصدر عشرات التقارير سنوياً، ويتابع الشكاوى، ويقيس مدى تنفيذ توصياته. لكن الأرقام الواردة في التقرير السنوي لعام 2025 تثير القلق أكثر مما تبعث على الاطمئنان!

فمن أصل (1,084) توصية تابع الديوان تنفيذها، لم يُنفذ سوى (559) توصية، أي ما نسبته (52%) فقط، فيما بقيت (406) توصيات دون تنفيذ، ونُفذ (119) منها جزئياً. والأخطر أن بعض القطاعات الحيوية، مثل قطاع البنية التحتية، لم تتجاوز نسبة استجابتها (14%)، وهو مؤشر يطرح تساؤلات جدية حول فاعلية منظومة المتابعة والمساءلة!

المشكلة، في تقديري، لا تكمن في جودة العمل الرقابي، بل في محدودية أثره. فتوصيات الديوان تبقى، في معظم الحالات، غير ملزمة قانونياً، الأمر الذي يجعل كثيراً من المخالفات تتكرر في التقارير السنوية دون أن يقابلها ردع إداري أو مساءلة حقيقية.

ولهذا نقرأ كل عام تقريباً الملاحظات ذاتها: ضعف وحدات الرقابة الداخلية، استمرار التجاوزات في استخدام المركبات الحكومية، التعيينات المخالفة عبر عقود المياومة أو الاستبدال ثم تثبيتها بقرارات غير قانونية، ووجود ممارسات إدارية تبتعد عن مبادئ الحوكمة والشفافية، وكأن الزمن الرقابي يدور في حلقة مفرغة.

ويزداد هذا التحدي في ظل غياب مجلس تشريعي يمارس دوره الطبيعي في مساءلة السلطة التنفيذية ومتابعة تنفيذ تقارير الديوان، وهو ما يترك المؤسسة الرقابية دون سند تشريعي قوي يحول توصياتها إلى إجراءات ملزمة وإصلاحات مؤسسية.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لتقارير ديوان الرقابة،  لا ينبغي أن تُقاس بعدد التقارير الصادرة أو حجم المخالفات المكتشفة، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير فعلي في أداء المؤسسات العامة، وترسيخ ثقافة المساءلة، ومنع تكرار الأخطاء ذاتها عاماً بعد عام!

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل نحتاج إلى مزيد من التقارير، أم إلى منظومة تضمن تنفيذ ما ورد فيها، ومحاسبة من يتجاهلها؟ فنجاح الرقابة لا يُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يتغير على أرض الواقع!

برغم ذلك، سأستمر في متابعة تقرير ديوان الرقابة المالية والادارية السنوي للعام 2025 ..وتلخيصها للقراء المتابعين..فهي هامة ومهنية، اذ يستهدف التدقيق مرارا ...من قبل فرق الديوان المهنية في قطاع الحكم ، مجموعة من القضايا ذات الاهمية الجوهرية،  والتاثير المباشر على كفاءة الادارة العامة للدولة!

سيكون المنشور التالي القادم عن تدقيق الديوان ضمن تقريره السنوي للعام 2025 ،  على أعمال  هيئة التوجيه السياسي والوطني للاعوام 2023-2024....

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

لجان الزكاة في الضفة الغربية 2025 ، بين الثقة الاجتماعية، وفجوات الحوكمة!