حين تتحول الاستثناءات إلى قاعدة!

 

 


قراءة في تقرير ديوان الرقابة حول أعمال الهيئة العامة للمعابر والحدود!

يعد تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية حول أعمال الهيئة العامة للمعابر والحدود لعام 2024 من أكثر التقارير إثارة للقلق ضمن تقارير الديوان السنوية لعام 2025، ليس بسبب كثرة المخالفات فحسب، وإنما لأنه يكشف عن اختلالات مؤسسية وهيكلية واسعة تمس منظومة الإدارة والحوكمة والرقابة وإدارة المال العام.

وتبدأ الملاحظة الأخطر بما كشفه التقرير من تعطيل فعلي لوحدة الرقابة الداخلية، وهي الجهة التي يفترض أن تشكل خط الدفاع الأول لحماية المال العام وضمان الالتزام بالقوانين والأنظمة. إن غياب هذه الوحدة عن أداء دورها لا يمثل مجرد خلل إداري، بل يفتح المجال لتمدد المخالفات دون اكتشافها أو معالجتها في الوقت المناسب.

ورصد التقرير غياب الإطار القانوني والتنظيمي الناظم لعمل الهيئة، إذ استمرت في ممارسة أعمالها دون نظام تنفيذي أو هيكل تنظيمي معتمد أو وصف وظيفي واضح أو تحديد للصلاحيات ، والعلاقة مع الجهات الحكومية والأمنية، الأمر الذي أضعف المساءلة وصعّب تحديد المسؤوليات!.

وفي الجانب المالي، كشف التقرير عن مخالفات ذات أثر مباشر على المال العام، تمثلت في جباية رسوم مبيت المركبات دون سند قانوني، وضعف نظام الإيرادات الإلكتروني،  بما سمح بتكرار تسجيل المركبات وعدم الفصل بين الفاتورة وسند القبض، وعدم إجراء تسويات بنكية دورية، إضافة إلى غياب آلية واضحة لاحتساب حصة الخزينة الفلسطينية من رسوم المغادرة، وتوريد إيرادات المقاصة إلى حساب خاص بالهيئة بدلاً من الخزينة العامة!. كما سجل التقرير وجود مبلغ نقدي مزيف بقيمة (6,750 شيكل) داخل الصندوق الرئيسي دون محضر ضبط رسمي أو تحقيق إداري!.

أما إدارة المشاريع، فقد مثلت أكبر بؤرة للمخالفات. فقد أظهرت نتائج التدقيق أن معظم المشاريع نفذت بالتعاقد المباشر بعيداً عن المنافسة والعطاءات العامة، مع اقتصار التنفيذ على عدد محدود من المقاولين بصورة متكررة، وغياب المعايير الفنية لاختيارهم، وعدم تشكيل لجان متخصصة، ورصد مخصصات مالية كبيرة دون أسس واضحة، فضلاً عن غياب تقارير الإنجاز ومحاضر الاستلام الأولي والنهائي، وعدم تمكن الديوان من التحقق من الكميات والمواصفات المنفذة فعلياً!

كما أظهر التقرير أن المشاريع التي نفذت داخل الأردن أو إسرائيل كانت تقتصر فيها مهمة الجانب الفلسطيني على دفع التكاليف دون امتلاك معلومات كافية حول تفاصيل التنفيذ أو التكلفة الفعلية، وهو ما يضعف الرقابة على الإنفاق العام ويحد من القدرة على التحقق من سلامة التنفيذ!

وسجل التقرير تجاوزات واضحة في الإنفاق، شملت صرف مكافآت شهرية لمدنيين وعسكريين،  دون سند قانوني، وصرف نفقات خاصة لمدير عام الهيئة رغم تقاضيه مخصصات شهرية، إضافة إلى منح استثناءات للصرف من جهات غير مخولة قانوناً، بما يخالف قواعد الانضباط المالي!

وفي الجانب الإداري والتعاقدي، تبين عدم وجود اتفاقيات تشغيل رسمية مع شركات النقل، وعدم إبرام عقود إيجار قانونية للمكاتب والمرافق المستخدمة، وعدم التأكد من تحصيل بدلات الإيجار والأرضيات، وعدم التحقق من التزام بعض الشركات بسداد ضريبتي الدخل والقيمة المضافة، فضلاً عن عدم نقل ملف الإيجارات إلى سلطة الأراضي وفق أحكام القانون!

كما كشف التقرير ضعف الرقابة على الإيرادات والخدمات، إذ ظهرت فروقات كبيرة بين أعداد مستخدمي خدمة (VIP) والتذاكر المباعة، بما يثير احتمال فقدان جزء من الإيرادات العامة،  نتيجة عدم تطابق البيانات،  وغياب آليات التحقق المشتركة!

وامتدت الملاحظات إلى إدارة المركبات الحكومية، حيث لم تلتزم الهيئة بتركيب الحلقات الإلكترونية لضبط استهلاك الوقود، ولم تحتفظ بسجلات حركة منتظمة للمركبات، كما لم تضع لوحات تعريفية عليها، بما يخالف تعليمات مجلس الوزراء!

وسجل التقرير أيضاً ضعفاً في إدارة المفقودات، نتيجة غياب إجراءات واضحة،  ومحاضر رسمية عند استلام المفقودات من الجانب الإسرائيلي، وعدم الإعلان عنها وفق الأصول، الأمر الذي يضعف حماية الحقوق ويحد من إمكانية استردادها!

ولم تقتصر أهمية التقرير على رصد المخالفات، بل برزت في طبيعة توصياته التي جاءت غير مسبوقة، إذ دعا الديوان إلى وقف صرف الدفعات للمقاولين إلى حين إعادة تقييم جميع المشاريع من خلال لجنة وطنية مستقلة تضم وزارة الأشغال العامة،  والإسكان ووزارة المالية،  ونقابة المهندسين ، والاتحاد العام للمقاولين، للتحقق من تنفيذ المشاريع فعلياً ومراجعة تكلفتها!

كما أوصى بحصر تنفيذ المشاريع المستقبلية بوزارة الأشغال العامة وفق قانون الشراء العام والعطاءات المركزية، ووقف جميع الاستثناءات المالية، وإعداد تقارير إنجاز ومحاضر استلام أصولية لكل مشروع، ومراجعة المخصصات المالية وآليات رصدها في الموازنة العامة!

وشملت التوصيات أيضاً تنظيم العلاقة مع شركات النقل بعقود رسمية، ونقل ملف الإيجارات إلى سلطة الأراضي، ومراجعة تراخيص بعض الشركات، واستيفاء الضرائب والرسوم المستحقة، ومعالجة الفروقات في إيرادات خدمات (VIP)، وإعداد آلية شفافة لاحتساب رسوم المغادرة، وفتح تحقيق في واقعة النقد المزيف، ووضع إجراءات واضحة لإدارة المفقودات، والالتزام الكامل بقواعد الصرف القانوني وإدارة المركبات الحكومية.

إن القراءة الشاملة لهذا التقرير،  تقود إلى نتيجة أساسية، وهي أن المشكلة في الهيئة العامة للمعابر والحدود لم تعد مجرد أخطاء إدارية متفرقة، وإنما أصبحت تعكس ضعفاً في منظومة الحوكمة والرقابة والامتثال، واتساعاً في الاستثناءات على حساب سيادة القانون!

ويبقى تنفيذ توصيات ديوان الرقابة،  هو الاختبار الحقيقي لجدية مؤسسات الدولة في حماية المال العام، وتعزيز النزاهة والشفافية، وترسيخ مبدأ أن إدارة الموارد العامة،  يجب أن تخضع للقانون والمساءلة، وأن تبقى الاستثناءات حالات محدودة يجيزها القانون، لا أن تتحول إلى قاعدة تحكم العمل العام!... بالرغم من أن الهيئة العامة للمعابر والحدود،  لم ترد على تقرير الديوان بتاتا كما تقتضي الاصول.!!

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

لجان الزكاة في الضفة الغربية 2025 ، بين الثقة الاجتماعية، وفجوات الحوكمة!