حين يحتاج الجهاز الرقابي إلى رقابة
جهاز الضابطة الجمركية
في الدول الحديثة، لا تُقاس قوة
المؤسسات بعدد أفرادها ، أو حجم صلاحياتها، وإنما بمدى خضوعها للمساءلة والرقابة
والشفافية. فلا توجد مؤسسة فوق الرقابة، بل إن الأجهزة التي تمارس سلطات الضبط
والتفتيش والرقابة، هي الأكثر حاجة إلى أن
تخضع هي نفسها لرقابة مستقلة، حفاظاً على المال العام وحمايته ، وصون حقوق الخزينة
، وضماناً لسيادة القانون، وترسيخاً لثقة المواطنين في أجهزة إنفاذ القانون!
أن تقرير ديوان الرقابة المالية
والادارية السنوي للعام 2025، حول أعمال جهاز الضابطة الجمركية للسنة المالية
2024، له أهمية خاصة، ليس لأنه يرصد مخالفات في مؤسسة حكومية فحسب، بل لأنه يتناول
جهازاً أمنياً رقابياً يمثل أحد خطوط الدفاع الأولى عن الاقتصاد الوطني، ويتولى
مكافحة التهريب، وضبط البضائع المخالفة، وحماية الإيرادات العامة، وإنفاذ القوانين
الاقتصادية. وقد شمل هذا التدقيق الجوانب
المالية والإدارية، وإدارة المركبات والمحروقات، والمستودعات واللوازم، إضافة إلى
إجراءات الضبط، وفك الحجز، وإدارة المضبوطات!
قدم تقرير ديوان الرقابة المالية
والادارية السنوي للعام 2025، عن أعمال جهاز الضابطة الجمركية عن السنة المالية
2024، صورة متوازنة، فلم يقتصر على رصد أوجه القصور، بل وثّق أيضاً عدداً من
الممارسات الإيجابية التي تستحق الإشادة. فقد أشار إلى إنشاء غرفة عمليات مركزية
متطورة تربط المديريات كافة إلكترونياً، واعتماد أنظمة متابعة للدوريات، وربط
المستودعات بكاميرات مراقبة، بما يعزز الرقابة الميدانية، ويرفع من كفاءة المتابعة. كما سجل تطوراً في
إدارة بعض المضبوطات، ومن بينها الانتقال إلى بيع الدخان المضبوط بالمزاد العلني، بدلاً من إتلافه، وهو توجه ينسجم مع تعظيم
الاستفادة من الموجودات ، وحماية المال العام، متى سمحت الأطر القانونية بذلك.
غير أن أهمية التقرير تكمن فيما كشفه من
اختلالات مؤسسية، وإدارية، ومالية، تستدعي معالجة جادة، لأنها تمس البنية التنظيمية
للجهاز ، وآليات عمله، أكثر مما تمس أداء الأفراد، والتي يمكن تصنيف هذه الاختلالات في المحاور الآتية:
ففي الإطار القانوني والمؤسسي،
فأن الجهاز يعاني من غياب قانون، أو نظام خاص ، ينظم عمله ويحدد اختصاصاته، وعلاقته بالجهات الشريكة، إلى جانب وجود تضخم في الهيكل التنظيمي ، وتداخل في
الصلاحيات، الأمر الذي يضعف الكفاءة المؤسسية، ويحد من وضوح المساءلة. ، وهي ملاحظات
قد تبدو إدارية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تؤثر في كفاءة اتخاذ القرار، وتخلق
ازدواجية في المسؤوليات، وتزيد من احتمالات ضعف الرقابة الداخلية. فكلما غابت
الحدود الواضحة بين الاختصاصات، أصبحت المساءلة أكثر تعقيداً!
وفي جانب إدارة الموارد البشرية، تبرز ملاحظات لا تقل أهمية، إذ
أشار التقرير إلى استمرار فرز وانتداب أفراد دون بيان الاحتياج الفعلي، وإلى التعيين بأسلوب
الاستبدال، بدلاً من المنافسة المفتوحة والإعلان عن
الوظائف. ومهما كانت المبررات الإدارية، فإن ترسيخ مبادئ تكافؤ الفرص والشفافية في
التوظيف، يظل من أهم ضمانات بناء جهاز
مهني، قادر على أداء مهامه بكفاءة
واستقلالية!
أما في المجال المالي، فقد رصد التقرير غياب موازنة تفصيلية خاصة
بالجهاز، وعدم الالتزام ببعض ضوابط السلف المالية، وضعف توثيق بعض النفقات، والعمولات البنكية. وهذه الملاحظات قد تبدو
محاسبية، لكنها في حقيقتها تعكس أهمية وجود نظام رقابة مالية متكامل، يتيح تتبع الإنفاق، وتوثيقه مستنديا ، وقياس كفاءة استخدام الموارد، ويحد من المخاطر
المالية مستقبلاً.
ومن
أبرز ما كشفه تقرير الديوان، في جوانب إدارة المضبوطات
والمستودعات، هو رصد وجود
أعداد كبيرة من القضايا العالقة، وعدم ترتيب المضبوطات، بما يسمح بإجراء جرد مفاجئ!... وتلف بضائع
ومركبات نتيجة طول فترة التخزين، وسوء
ظروف الحفظ، إضافة إلى ضعف توثيق عمليات الإتلاف، وغياب التفاصيل المتعلقة
بالكميات التي جرى إتلافها!
كما يثير التقرير مسألة تتعلق بالسلامة المهنية وإدارة المخاطر، إذ رصد نقصاً في وسائل
الحماية داخل بعض المستودعات، وعدم وجود سجلات متكاملة للموجودات الثابتة، وتخزين
اللوازم والمضبوطات في المكان نفسه. وهذه ليست مجرد مخالفات إجرائية، بل مؤشرات
على الحاجة إلى تحديث منظومة إدارة الأصول، والمخازن ، وفق معايير الحوكمة الحديثة!
أما بخصوص الرقابة على المركبات والمحروقات،
فقد سجل التقرير ضعفاً في إجراءات الرقابة
على أعمال الصيانة، وعدم توثيق ارتباط بعض الفواتير بالمركبات، إضافة إلى غياب ما
يثبت أن بطاقات المحروقات، استخدمت فعلاً
للمركبات المخصصة لها!
أما في جوانب المشتريات والرقابة الداخلية،
فقد لاحظ الديوان عدم إعداد خطة شراء
سنوية وفق أحكام نظام الشراء العام، إلى جانب ضعف توثيق بعض معاملات الصرف
والمساعدات الإنسانية، وغياب معايير واضحة لتحديد قيم تلك المساعدات!
وفي ضوء هذه النتائج، أوصى الديوان
بإصدار قانون خاص بالجهاز، وإعادة هيكلة التنظيم الإداري، وتنظيم إدارة الموارد
البشرية وفق الاحتياجات الفعلية، واعتماد التعيين على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص،
وإعداد موازنة مستقلة، وتعزيز الرقابة المالية، وتحسين إدارة المستودعات
والمضبوطات، والالتزام الكامل بأحكام نظام الشراء العام.
ويُحسب للجهاز أنه قدم رداً على التقرير
خلال المدة القانونية، وكان الرد إيجابياً، بما يعكس استعداداً للتعامل مع
الملاحظات وتنفيذ الإجراءات التصحيحية المطلوبة.
وتؤكد نتائج التقرير ، أن تعزيز النزاهة
والحوكمة في جهاز الضابطة الجمركية، لا
يمثل مجرد مطلب إداري، بل يعد شرطاً أساسياً لحماية المال العام، وصون حقوق
الخزينة، وترسيخ ثقة المواطنين في أجهزة إنفاذ القانون!
وفي النهاية، فإن حماية الاقتصاد الوطني،
لا تبدأ عند المعابر ، أو نقاط الضبط
فحسب، بل تبدأ أيضاً من داخل المؤسسات نفسها، عبر بناء أنظمة حوكمة قوية، وإدارة
رشيدة للموارد، وثقافة مؤسسية تؤمن بأن الرقابة ليست عبئاً على الأداء، بل هي
الضمان الحقيقي لاستدامته!
تعليقات
إرسال تعليق