بين حيفا ونابلس... واحد وخمسون عاماً من الثقة

 


أودع  وديعته في فرع البنك العربي...في حيفا عام 1944

                            واستلمها كاملة  في فرع البنك العربي في نابلس عام 1995

 

-         ليست كل القصص المصرفية أرقاماً وحسابات. فبعضها يتحول إلى شهادة على التاريخ، وإلى درس في معنى الثقة التي لا تهزمها الحروب ولا تمحوها السنون.

 

-         هذه واحدة من تلك القصص:

 

 

·        في عام 1944، دخل المواطن الفلسطيني الحاج سعيد سمارة ياسين إلى فرع البنك العربي في مدينة حيفا، وأودع مبلغاً من المال في حسابه الجاري. لم يكن يعلم أن السنوات المقبلة ستحمل النكبة، والتهجير، والاحتلال، وأن مدناً ستسقط، ومؤسسات ستندثر، وأن مئات الآلاف سيغادرون بيوتهم قسراً تاركين خلفهم كل ما يملكون، لكن شيئاً واحداً لم يغادر ذاكرته... دفتر حسابه في البنك العربي!

-         ظل يحتفظ به أكثر من واحد وخمسين عاماً، مؤمناً بأن ماله ما زال محفوظاً، رغم كل ما جرى لفلسطين والمنطقة.

 

·        وفي عام 1995، وبينما كنت مديراً لفرع البنك العربي في نابلس، دخل الرجل إلى مكتبي، وقد أنهكته السنون، ووضع أمامي دفتر الإيداع الذي حافظ عليه طوال تلك العقود!

 

-         باشرنا البحث في السجلات، وكانت المفاجأة أن الحساب لا يزال قائماً. وبعد استكمال الإجراءات، تسلّم الحاج سعيد كامل رصيده، دون أن ينقص منه شيء!

 

·        في تلك اللحظة لم يكن البنك يسلم مالاً فحسب، بل كان يسلم صاحبه وعداً قُطع قبل أكثر من نصف قرن، وظل محفوظاً رغم تغير الدول والحدود والأنظمة.!

 

·        خلال تلك العقود، احترقت بنوك، وأغلقت مؤسسات، وصودرت ممتلكات، وهُجّر شعب بأكمله، لكن البنك العربي ظل وفياً لرسالته في حماية حقوق مودعيه أينما كانوا.

 

 

·        وقبل أيام، أعاد إليّ أحد أبنائي، المقيم في الخارج، قصاصة من جريدة الدستور الأردنية الصادرة بتاريخ 18 تموز 1995، كان قد احتفظ بها طوال هذه السنوات، بينما كنت أبحث عنها منذ زمن طويل. وما إن وقعت عيناي عليها حتى عادت إليّ تفاصيل تلك الواقعة بكل ما حملته من معانٍ إنسانية ومهنية( صفحة جريدة الدستور الاقتصادي مرفقة)

 

·        لقد أمضيت في البنك العربي عشرين عاماً، منذ عام 1974، وأحد عشرا عاما في بنوك اخرى ، تعلمت خلالها أن العمل المصرفي لا يقوم على الأرقام وحدها، بل على الثقة؛ فهي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة مالية. ولهذا لم يكن البنك العربي مجرد مصرف بالنسبة لي، بل مدرسة عريقة، فلسطينية النشأة، عربية الانتماء، عالمية الأفق، استطاعت خلال قرن من الزمان أن تبني سمعتها على الالتزام، وأن تجعل الثقة عقداً لا يسقط بالتقادم!

 

 

·        قد ينسى الناس قيمة المال مع مرور الزمن، لكنهم لا ينسون المؤسسة التي حفظت لهم حقوقهم عندما ظن الجميع أن الزمن قد ابتلعها!

 

·        وخلاصة القول... ...قد تُهدم المدن، وتتبدل الحدود، وتتعاقب الأنظمة، لكن المؤسسات العظيمة تُقاس بقدرتها على الوفاء بوعودها. وهذه القصة ليست مجرد حكاية عن وديعة استُردت بعد واحد وخمسين عاماً، بل شهادة على أن الثقة، حين تُبنى على المبادئ، تستطيع أن تعبر الزمن. انه البنك العربي " مسار حياة"  طيلة قرن من الزمان!

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة