ألقضاء لا يحمي العدالة بأحكامه فقط... بل بطريقة إدارته أيضاً

 


يشكل القضاء الشرعي أحد المكونات الرئيسة لمنظومة العدالة الفلسطينية، لما يضطلع به من اختصاصات تمس الحياة اليومية للمواطنين،  في قضايا الأحوال الشخصية،  والأسرة ، والإرث ، والوصاية،  والنفقة، الأمر الذي يجعل سلامة إدارته،  وفعالية منظومة النزاهة فيه،  مسألة ذات أهمية عامة تتجاوز البعد القضائي لتلامس الاستقرار الاجتماعي،  وثقة المواطنين بالمؤسسات العامة!

ان التجارب الدولية الحديثة ، عندما نتحدث عن استقلال القضاء ، لا ينصرف تفكيرها فقط الى استقلال القاضي وهو يصدر حكمه، بل  ايضا الى كيفية ادارة المؤسسة القضائية نفسها : كيف توزع الصلاحيات ، وكيف تدار الموارد ، وكيف تتخذ القرارات ..وكيف تمارس الرقابة والمساءلة!

في هذا المجال، يسلط التقرير الاخير الصادر عن " الائتلاف مـن أجـل النزاهـة والمسـاءلة (أمـان.) .2025منظومـة النزاهـة في أعمـال القضـاء الشـرعي. رام الله - فلسـطين " على الحوكمة المؤسسية للقضاء الشرعي، باعتبارها أحد أعمدة بناءالثقة العامة..اذ أنه  لا يناقش الاحكام القضائية ، أو يجادل في الاجتهادات الفقهية!

ويؤكد التقرير أن القضاء الشرعي لا يفتقر إلى القوانين؛بل ان الاطار التشريعي الناظم لعمل القضاء الشرعي متطور نسبيا، اذ يتضمن نصوصا تتعلق باستقلال القضاء ومنع تضارب المصالح واقرارات الذمة المالية والتفتيش القضائي والتأديب واليات التعيين والترقية!

ويؤكد التقرير الى ان الاختبار الحقيقي لأي مؤسسة عامة ، هو ليس في وجود النصوص وحدها، ولا في جودة القوانين ، بل في قدرة هذه المؤسسات العامة على تحويل القوانين الى ممارسات يومية ، تعزز ثقة المواطنين!

ويلفت التقرير الانتباه الى عدد من القضايا لتوسيع النقاش الوطني الهادئ والمسؤول فيها...ومن هذه القضايا، اتساع الصلاحيات الممنوحة لمناصب معينة، وغياب معايير قانونية واضحة لشغل مثل هذه المناصب ، ومحدودية الإفصاح عن التقارير والبيانات، والحاجة إلى تطوير منظومة أكثر فاعلية للمساءلة المؤسسية، وهذه كما يفيد التقرير ، ليست انتقادا لشخص أو مؤسسة بعينها، ولا من خلال التشكيك بالمؤسسات ، وانما هي قضايا تتعلق بالحوكمة الرشيدة،  التي تواجهها كثير من المؤسسات العامة في الدول النامية...وتعالج من خلال توزيع الصلاحيات ، وتعزيز الشفافية، واتاحة المعلومات،  وتقوية أدوات الرقابة!..

إن قوة المؤسسة القضائية لا تُقاس فقط بقدرتها على الفصل في المنازعات، وإنما أيضاً بقدرتها على كسب ثقة المجتمع. وهذه الثقة لا تُفرض بالقانون، بل تُبنى بالتدريج عبر الشفافية، والإفصاح، والعدالة الإجرائية، والمساءلة، والالتزام بأفضل معايير الحوكمة.

في ضوء ذلك، تصبح الحاجة إلى ترسيخ النزاهة المؤسسية أكثر إلحاحاً في حالتنا الفلسطينية،  لأن قوة المؤسسات هي أحد أهم عناصر الصمود الوطني..وهو أساس جوهري لأي دولة تسعى الى ترسيخ القانون!

ان الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن المؤسسات القوية ليست تلك التي تخلو من الملاحظات، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها، والاستفادة من التقييمات المستقلة، وتحويلها إلى خطوات عملية نحو أداء أكثر كفاءة وشفافية

·         أن العدالة ليست حكماً يصدر عن المحكمة فحسب، بل هي منظومة متكاملة تبدأ بالنزاهة، وتترسخ بالشفافية، وتكتمل بالمساءلة. وكلما كانت هذه المنظومة أكثر قوة، ازدادت ثقة المواطن بالقضاء، وتعززت مكانة دولة القانون التي ننشدها جميعاً!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة