من بطون الكتب(4) اغتيال العقل

 

من بطون الكتب(4)  اغتيال العقل
محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية

14-2-2018
كتاب " اغتيال العقل" بطبعته الرابعة في عام 2006 لمؤلفه الدكتور برهان غليون، يستعرض فيه المؤلفن ما يجيش به المجتمع العربي في ذلك الزمن من صراعات وانفجارات، اظهرت " أزمة مفتوحة"، تماما كما هي الحال في ايامنا هذه، من اهم مظاهرها، فقدان الامن والطمأنينة وزوال كل يقين، والتخلي عن كل موقف ايجابي تجاه الواقع، والخلود الى موقف السلبية الشاملة المتجسدة في رفض الذات، وفي رفض الاخر معا، كما ان من مظاهرها البارزة ، ازدياد المواقف القائمة على ردود الافعال، والتطرف الفارغ، والتبرم من كل ما هو قائم ونقده دون تمييز، والحيرة والياس في انسداد السبل، و تدهور المناخ الفكري، وتراجع حدود المناظرة العقلية، تحت ضغط التيارات الاصولية، وبروز الطائفية والعشائرية.حيث تم فيه اخراج مصير البلاد من ايدي ابنائها، ووضعها بين ايدي اؤلئك الذين يظهرون مهارة أكبر في التعامل مع القوى الكبرى والدول المهيمنة، وبذا يصبح تهور المغامرين اقداما وقوة، وعند غياب الرؤية الواضحة، تصبح قناعة الجاهلين منبعا للعرفان، وادعاء المطالبين والمتعالين رؤية ونبوة. ان ازمة العقل العربي نابعة هي نفسها من أزمة الفعل العربي، وهي مظهر من مظاهر الوجود خارج الذات أو لغير الذات.
ان المشكلات المطروحة اليوم على العالم العربي، لا يمكن حلها جميعا من زاوية افق ايدولوجية واحدة، او من افق ايدولوجي بشكل عام، اذ ليس هناك حل لمشكلة التنمية الاقتصادية الصناعية الزراعية، من افق الايدولوجية السلفية او الاصولية، كما انه ليس هناك حل للمشكلة القانونية والتشريعية، من افق ايدولوجية، تنكر الاسلام او تتنكر له، فكل تطوير للمؤسسة القانونية لا بد ان يرتبط باعتقادات الناس واخلاقياتهم، والا كان مجانبا للواقع، وفاقدا لاية مصداقية وتاثير. ليس المطلوب اذن بناء ايدولوجية جديدة، وانما المطلوب تغيير نوعية العلاقة القائمة بين الايدولوجيات والافكار والتيارات القائمة، وتحويلها من علاقة عداء وقطيعة واقتتال ذاتي، الى علاقة تعايش وحوار وتبادل وتفاعل. ان تغيير نوعية هذه العلاقة هو الذي سيؤدي الى تغيير تدريجي وجذري لمضمون ووظيفة وطريقة عمل، وتطور كل من التيارات الفكرية الداخلة فيها...


ويظهر المؤلف حاجة المجتمع العربي الى ثقافة مبدعة (والثقافة وفق تعريفه هي ملخص تجربة المجتمع ، ووعيه بذاته ومحيطه شاملة كل نواحي الحياة العلمية والسياسية والاقتصادية والروحية والاجتماعية)، تزخر بالخلاف والتناقض والتعدد، وابعاد وجود خطاب ايدولوجي واحد، يعدم امكانية نشوء وتطور اي خطاب معرفي نقيض. ويظهر المؤلف ايضا ضرورة بناء وحدة قائمة على علاقات جديدة بين ايدولوجيات واتجاهات وتيارات متمايزة فعلا، ومتصارعة صراعا منتجا، وليست متماثلة في المنهج والوظيفة والغاية، وهذا الصراع مثري للثقافة والمجتمع ولهم معا ..اذ يصبح مرتكزها التنافس والتسابق على الكشف والابداع والاضافة واثبات الجدارة. اما خطاب الاقتتال الايدولوجي السائد، فهو لا يمكن ان يستمر ويؤكد وجوده، الا بالتعمية على المسائل الحقيقية المطروحة، وفرض المسبقات، والتهجم بدل المناقشة، والاتهام بدل المحاججة، والعدوانية بدل الحوار.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة