حرب عملات...مبزان المدفوعات وتخفيض عملة البلد...الجزء الثالث
-
منشور بتاريخ 30 -6-2018
-
يشكل ميزان المدفوعات في كل دولة، أساسا يبين موقف الدولة الاقتصادي أمام
الدول الاخرى..وميزان المدفوعات هذا، والذي يشترط صندوق النقد الدولي تزويده سنويا
بموقف ميزان مدفوعات الدول الأعضاء فيه، هو عبارة وبشكل موجزعن سجل محاسبي منتظم،
لكافة المبادلات التجارية ، ويعمل وفق نظرية القيد المزدوج في المحاسبة، ويحتوي
على جانبين ، جانب "منه" -المدين- يجري فيه تسجيل كافة التزامات الدولة
المالية، تجاه الدول الاخرى، مثل قيمة المستوردات من السلع والخدمات ، وجانب
"له" - دائن- يسجل فيه كافة حقوق الدولة لدى غيرها من الدول، مثل قيمة
صادراتها من السلع والخدمات .
-
بالاضافة الى التحويلات من جانب واحد مثل المساعدات المالية المقدمة
للدولة من الخارج..ويمثل الحساب الجاري او الميزان التجاري، اهم العناصر الهيكلية
المكونة لميزان مدفوعات الدولة، حيث يمثل هذا الحساب قيمة صادرات وواردات الدولة
من السلع والخدمات ، وعندما تكون الصادرات اكثر من الواردات فيه، يتكون هناك
فائضا، والعكس صحيح ،ففي حال ظهور عجز في الحساب الجاري، يفسر بانه نتيجة زيادة
الواردات عن الصادرات بقيمة العجز...وهو ما تكون فيه غالبية موازين المدفوعات
للدول النامية...ومن هذه الدول وخاصة المدينة والمثقلة بالديون...ما يكون العجز
بشكل مستديم...الامر الذي يشكل خطرا على الاقتصاد لهذه الدولة ، ومؤشرا لضرورة
التدخل لمعالجة مثل هذه الاختلالات في ميزان المدفوعات...قد يكون تخفيض قيمة عملة
الدولة احد الخيارات القوية، بالرغم من انه يعتبر الملاذ الاخير لاصلاح النظام
المالي والنقدي للدول.ان الحصول على قروض جديدة من مؤسسات الاقراض الدولي وعلى
رأسها صندوق النقد والبنك الدوليين..لمعالجة الاختلالات الهيكيلية في ميزان
المدفوعات مثل انخفاض معدلات احتياطي العملات الاجنبية في البلد ، ضعف الصادرات،
زيادة الاستيراد، تراكم المديونية الخارجية،
-
خيار ليس من السهل الحصول عليه، وتقوم الدول النامية، التي تعاني من عجز
في ميزان مدفوعاتها، أحد مؤشراته الرئيسية، بمحاولة اجتذاب تمويل خارجي، من مؤسسات
الاقراض الدولية ، كما أشرنا بذلك أعلاه، والذي يعتمد الحصول على هذا التمويل،
درجة ثقة عالية توليها مؤسسات اقراض دولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين
اهتماما وأوولوية اساسية، في اقتصاد البلدان المعنية بالتمويل، وحيازة ثقة مؤسسات
الاقراض الدولية، أمر عسير، اذ تحاول هذه المؤسسات الدولية، أن يكون لها السيطرة
والتحكم، على بعض مفاصل الاقتصاد للدول طالبة التمويل، من أجل ضمان استقرار وتوازن
ميزان المدفوعات لهذه الدول، وضمان سداد القروض الخارجية..فتصحب هذه المؤسسات
الدولية فرقا من الخبراء الاقتصاديين، الذين يكلفون من قبلها بترتيب تقارير
اقتصادية تبدو في بعض منها متشائمة، عن وضع البلد الاقتصادي، وميزان مدفوعاته...
وتخرج هذه التقارير وفق وصفة معدة، لمثل هذه الدول في حال طلبت النصح والارشاد
والتمويل..
-
اضافة الى ذلك، تقوم مؤسسات دولية معتمدة في الولايات المتحدة مختصة
بالتصنيف الائتماني للدول، وتواكب صندوق النقد الدولي في طلبه تقريرا من هذه
المؤسسات التصنيفية، عن وضع البلدان الائتماني، ودرجة تصنيفها، فيتم تخفيض الوضع
الائتماني للدول، نظرا لظروف البلد الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية وميزان
مدفوعاتها، وبالتالي ، ترفع درجة مخاطر اقراض مثل هذه الدول، أو تلك.ان طبيعة عمل
هذه المؤسسات للتصنيف الائتماني، ومجموعات الخبراء الدوليين، في الاقتصاد، كطبيعة
عمل الاستخبارات والاستجواب القسري، وطريقة "الايهام بالغرق" والذي
يستجيب فيه السجين ويستسلم لارادة السجان، ، وبالتالي فان الدول الباحثة عن تمويل
لسد العجز، في ميزان مدفوعاتها، ستستجيب لطلبات صندوق النقد والبنك الدوليين،
واللذين يقدمان بما يطلقون عليه (نصحا)، في صورة برامج اصلاح النظام المالي
والنقدي للبلد طالب التمويل، ومن هذه البرامج الاصلاحية ، طرقا جديدة لزيادة تحصيل
الايرادات الحكومية، وزيادة مصادر الايراد للدولة، وتخفيض برامج الدعم على الفئات
متدنية الدخل، وتخفيض الاعفاءات الضريبية، وتعديل السياسات الضريبية، واتباع برامج
الخصخصة، والتي يقوم بموجب ذلك، باتاحة المجال لتحويل مؤسسات وشركات القطاع العام
الكبرى، فريسة للاستيلاء عليها من قبل الشركات ومؤسسات الاستثمار الدولية
-
ان تخفيض العملة هو في حد ذاته، سياسة للدولة صاحبة العملة، ومن المفترض
أن تقوم الدولة وتختار أوقات تخفيض قيمة العملة، أو رفع قيمتها حسب ظروف الدولة
الاقتصادية والسياسية. الاأن الدولة في تفاوضها مع مؤسسات الاقراض الدولية، مثل
صندوق النقد الدولي، تنزع عنها سيادتها على سياساتها النقدية، وتكون في بعض
مرافقها، في ايدي هذه المؤسسات الاقراضية.. ومن الملاحظ ومن خلال تجارب تخفيض
العملات الخاصة بالدول ، بان هذه التطبيقات الاصلاحية وعلى رأسها تخفيض العملة
الوطنية، لا تقوم بتحقيق الاهداف المتوقعة، من مثل هذه الخطوة..سواء بالفترة
الزمنية القصيرة أو طويلة المدى....
-
انخفاض العملة لبلد ما في أسواق الصرف والعملات الاجنبية العالمي، واسواق
تبادل السلع والخدمات الدولي، أما أن يكون مؤشرا على وجود ازمة عجز ميزان مدفوعات
الدولة صاحبة العملة، أو وجود عوامل اخرى مثل أرتفاع نسب التضخم والاسعار، وانخفاض
احتياطيات العملات الاجنبية للدولة، نتيجة زيادة الواردات على صادرات البلد...وهو
بالتأكيد ، نتيجة زيادة مديونية البلد، ووجود متاعب لدى تلك الدولة لمواجهة خدمة
الدين بشكل منتظم، فتقوم الدولة باجراءات مالية ونقدية واقتصادية بمساعدة صندوق
النقد الدولي والبنك الدولي، لتقليل العجز في ميزان مدفوعات الدولة، التي يمكن ان
تمتد الاجراءات هذه لتطال عملة البلد، بتخفيض سعر صرفها أمام العملات الاجنبية في
أسواق الصرف العالمية، املة ان تأتي بنتائج تعالج العجز في ميزان المدفوعات ولو
خلال فترة زمنية ليست بالقصيرة، لتهيئة الاوضاع الاقتصادية في البلد لتتلاءم مع
الوضع الاقتصادي الجديد بالاجراءات النقدية الجديدة..
-
وقد يكون انخفاض عملة البلد في سوق العملات الاجنيية في الخارج وسوق
السلع والخدمات الدولي، نتيجة قيام دولة أو دول ، بالتلاعب يأسعار الصرف لعملة تلك
الدولة المستهدفة، مقابل العملات الاخرى، والدخول في مضاربات لتغيير قوى السوق
الدولية للعملات والسلع من العرض والطلب، والتي تحدد أساسا قيمة عملات دول العالم
في السوق..ويشكل كمي ونوعي ضخم، تبدأ في بعض الاحيان ، قيمةعملة البلد المستهدف
بالانخفاض التدريجي والمستمر، أمام العملات الاخرى، مما يؤثر على سوق البلد
الداخلي وعناصر الاقتصاد فيه، وهي نوع من حرب العملات المشار اليه في الجزءالاول.
من المقال..ومثال ذلك كما أسلفنا عملات تركيا وقطر ، المستهدفتان من قبل السعودية
ودولة الامارات العربية المتحدة...وها هي ايران، نتيجة الحصار الاقتصادي الذي
تفرضه الولايات المتحدة، بعد خروج الاخيرة من الاتفاق النووي الايراني الدولي، حيث
بدأت العملة الايرانية بالضعف في الايام الاخيرة، نتيجة تدخل ما في السوق
الدولية،مما اضطر الى قيام ايران باجراءات تقشفية منها ، حظر استيراد 180 سلعة،
حتى تعالج الامور المتفاقمة، نتيجة الحصار والذي بدا واضحا ان عملة ايران ستدفع
الثمن،،، انها حرب العملات في السوق الدولية العالمية...للتأثير على الاوضاع
الاقتصادية ومن ثم جني مكاسب سياسية، ومحاولة صنع تداعيات داخلية عبر التأثيرات
الاقتصادية ، وخاصة العملة وحظر السلع والتجارة مع ايران، ليؤدي بالتالي الى
انهيار النظام في ايران حسبما ترسم الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها.....
تعليقات
إرسال تعليق