" العربي التائه 2001 "...... نهايات طريق

 

 


21-7-2018

-        ملك الصحافة في الشرق الاوسط المرحوم محمد حسنين هيكل، له مكتبة كبرى من المؤلفات والابحاث والمذكرات، وأنا من محبي اصداراته الثرية، منذ الستينيات في مجلد "السياسة الدولية" عبر جريدة" الاهرام "، ثم في العقود اللاحقة، مقال جرئ، وشهير، كان يكتب بشكل اسبوعي في صحيفة الاهرام...وتنقله صحف اخرى باتفاق، كان عنوانه"بصراحة" .وغيره الكثير من ابداعات هذا الكاتب الصحفي الذائع الصيت، ..أطالع هذه الايام، كتاب له صادر في عام 2002، بعنوان " العربي التائه 2001" نهايات طريق، وفحوى الكتاب عن مؤتمر للقمة العربية في عمان في عام 2001، لبحث اوضاع العراق، والانتفاضة الفلسطينية الثانية، ...وفيه رأى هيكل أن العربي تائه ...في حياته، ومسدودة أمامه الطرق، نظرا لتكالب القوى عليه وفي مقدمتها اسرائيل المدعومة من أمريكا، وهذا كان قبل أكثر من ستة عشر عاما.

-        يورد المرحوم هيكل، قصة عن رئيس وزراء بريطانيا عام 1938 ....نيفيل تشمبرلين، انه لم يدرك وهو يحمل مظلته الشهيرة ويطير لمقابلة الزعيم الالماني انذاك "أدولف هتلر" في ميونيخ، ويعود هناك بعد يومين ليبشر الشعب البريطاني والشعوب الاوروبية، (بالسلام في زماننا)، أن ميونيخ كانت نهاية طريق...وأنه بوهم صنع "السلام في زماننا" جعل الحرب العالمية الثانية حتمية، لأن هتلر، رأى أن "التهافت على السلام" دليل على الضعف، والوهن، وشاهدعلى تاكل الارادة السياسية وقصورها

-        لم يدرك "تشمبرلين"، وهو يبشر ب"السلام في زماننا"، أن استرضاء العدو (بأي ثمن)، هو أقرب الطرق الى الحرب، لأن التهافت على الطلب مثير للطمع، ولان " الغاية النبيلة لا تحققها وسيلة ذليلة"
أول قوانين الصراع أنه حين يرضى طرف لنفسه أن يستحذي فان الطرف الاخر مدعو لان يستقوي، وتلك طبائع الاشياء قبل ان تكون قوانين صراع....تماما كما هو حال القيادات السياسية العربية مع اسرائيل...

-        في جولاته المكوكية بعد حرب اوكتوبر 1973، كان هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة في تلك الايام ، يعد حقيبة اوراقه ليأخذها معه في السفر الى الشرق الاوسط، ولم يحتقظ بأية اوراق الا ورقة الباحث الشاب الملحق بالابحاث في مجلس الامن القومي في البيت الابيض، واسمه ريتشارد هاس...الذي اصبح ديك تشيتي رئيسه المباشر اثناء عمل تشيني كنائب للرئيس الامريكي....

-        كانت الورقة في ملخصها، رغم قصرها -عبارة عن صفحة واحدة- تقول لهنري كيسنجر " لا داعي لان تشغل نفسك ، في الوقت الراهن، بنظريات كثيرة في ادارة وحل الصراعات وفنون التفاوض ودواعي الامن... ما ينفعك الان هو ان يتذكر تقليدين، من "ثقافة" الحياه العربية، 
"
تقليد الخيمة" : وفيها شيخ يتوسط مجلسا يحيط به، وان كانت بيده السلطة وحده، وعندما تدخل عليه، فسوف تجد من حوله كثيرين، يدخلون ويخرجون، ويهمسون في اذنه ، ويهزون رؤوسهم....كل ذلك مؤثرات شكلية، ركز نظرك على الشيخ وامدحه وبالغ في مدحه ، وبمقدار ما تعطيه بما عندك ، فسوف يعطيك مما عنده....

-        و"تقليد السوق" والتفاوض فيه ليس علما، وانما فن مساومة، وهم يبداون اي صفقة بسعر مبالغ به وحين تراجعهم يعلون اصواتهم ليقسموا لك انهم لم يبالغوا، على انهم من اجل خاطرك، سوف يتهاودون ...لكنها كلمتهم الاخيرة سوف يقولونها وانت حر، وحين تسمعها، وتولد لهم انها ما زالت اعلى مما انت مستعد لدفعه، سوف يعودون لك مرة اخرى حالفين (وبالطلاق ربما)، ان ذلك خارج قدرتهم، لان قبولهم به خسارة محققة...

-        لا تصدق كلامهم، وتمسك بما تظنه معقولا، وصمم عليه، وسوف تجدهم امامك يتنازلون خطوة خطوة ..(ولو بدت الخطى متثاقلة).........وها هي صفقة القرن ....ماثلة أمامنا فيما قيل عنها، وما نشاهد على الساحة من أحداث...تتماهى مع ما وصلنا شفويا من بنود لها...

-        وفي اخر لقاء مع حافظ الاسد، عام 1975، قام هنري كيسنجر بعمل تقييم لتجربته في القاهرة والرياض، ودمشق، بعبارة "احببت السادات، واحترمت الاسد، ولم أفهم فيصل"

-    الفكرة ان تكون العلاقات حميمة داخل كل خيمة، مؤثرة على التعامل داخل كل "سوق".
وفي المفاوضات بعد ذلك، على اختلاف محطاتها، من اسوان الى كامب ديفيد، ومن اوسلوا الى طابا، ومن فك الارتباط بين مصر واسرائيل في اسوان 1974، وحتى اعلان شرم الشيخ اواخر 2001، ..سبعا وعشرون عاما، جرت المفاوضات مع العرب على طريقة الشيخ والخيمة..." شيخ في مجلس داخل خيمة، وحوله جمع من الناس واشارات وايماءات وهنس اسرار وتمتمات خافتة، ثم يقول الشيخ كلمته، ويهز الجميع رؤوسهم بالموافقة.....

-        من المفارقات ان الشيوخ العرب كان لديهم طوال الوقت اطمئنان الى انهم في نهاية الطريق واصلون الى قاع عليه صفقه، ترضيهم لان لديهم من البداية عهدا وعقدا يطلقون هم عليه وصفا يريحهم، وهو وصف " الشرعية الدولية" وهم لا يعرفون ان ذلك العهد والعقد لم يعد فيه الان "نص مقدس". والسر ان الولايات المتحدة الامريكية، والشيوخ لا يعرفون ولا السوق تعرف، قامت بتاميم الشرعية الدولية، بان تقلب ملكيتها اولا الى مجلس الامن، ثم قامت بعد ذلك بخصخصة مجلس الامن وتحويله الى ملكيتها الفردية..تتصرف فيه كما يتصرف المالك فيما يملك.

-        وتحدث هيكل في كتابه موضوع المقال، ان سوريا كانت وستبقى ضرورية للعرب، وحاول المستعمر كثيرا عزلها---هذه الكتابة من ستة عشر عاما، ولكنه سيفشل ، فقال هيكل في ذلك عام 2002، "كان عزل الشام عن الوديان"، هدفا اسرائيليا وأمريكيا، منذ زمن بعيد، باعتبار أن وادي النيل يرتبط بمعاهدة سلام رعتها الولايات المتحدة، ووادي الفرات مدمر بحرب تولتها الولايات المتحدة الامريكية........

-        " اذا انحصر الفعل بين المطرقة والسندان ، على هذا النحو، فتلك دلالة افلاس السياسة ووقوعها في مأزق ، اضاعت فيه خياراتها، ولم يعد أمامها سوى الانتحار أو الشهادة....." الا أن السيد هيكل، أوضح في معرض تفاؤله، ان الضعف العربي ليس دائما، كمثل القوة الظالمة المحتلة ليست دائمة ...
فقال " اذا لم يكن هذا المحيط الان قويا بما فيه الكفاية ، فان الضعف ليس مضمونا الى ما لا نهاية"..فالحروب لا تنهي صراعات,,,,تماما كما نرى الحرب على اليمن العربي من تحالف عربي شرير، منذ أكثر من ثلاث أعوام، ولم ينجح حتى في المعارك، ولكنه دمر مقدرات اليمن ...الثري بأهله وتاريخه ومجده، فكما قال هيكل في هذا الكناب، بأن السلاح يظل عاجزا عندما يملك القرار وحده، وهو يقدر على النجاح في المعارك، ولكن يعجز عن احراز النصر في حربه.

-        لن تنتهي طريق الامة العربية بالانسداد...حتى في ظل ما نرى ونشاهد من تغيير معظم قواعد التاريخ والصراع الذي تعلمناه،على أيدى كثير من الزعماء في جامعتنا العربية، في هذه الايام، متعاونة مع القوى التي دمرت العراق ومصر وليبيا وتونس وسوريا واليمن.، وتقوم بنهب ثروات شعوبها ..والان تتحالف مع اسرائيل العنصرية ، سينتهي ساستنا الفاشلون ...وستبقى شعوبنا العربية تحاول رسم طريقها من جديد، مبني على تاريخها المجيد، وحاضرها الذي ستحاول بالعلم والعمل، أن توقف عجلة الفساد السياسي، وتختار خيارات مدروسة بالتحالف مع قوى الخير في العالم.....وستنتصر...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024