قصة " اقتصاد السوق " في الريف الفلسطيني
-
27-12-2018
-
الحاج "ابو قراقع " – رحمه الله- ، كما
اذكره جيدا في السيتينات، عندما كان يجوب حارات بلدتنا عزون، مشيا على الاقدام ،
كان تاجرا يشتري ويبيع ارانبا وطيورا..وكان معظم تجارته في بلدتنا، شراء طيوروليس
بيعها، من بعض الاسر التي كانت تربي الفراخ البلدية والحمام التي تتغذى على الحبوب
من الذرة والشعير والقمح..حتى تصل لوزن يؤهلها ان تقع بالميزان ويجني اصحابها مالا
مقابل اثمانها..هم يعرفون الوقت المناسب للبيع لابي قراقع المشتري الجوال...وكان
يصيح مرددا جمله مشهورة يناديها من اول وصوله بداية شوارع الحارات حتى نهاياتها لاعلان
عرضه - طلبه- لشراء الطيور واتمام صفقات الشراء " اللي عندهم صوصان وحمام
وارانب للبيع" وحين يسكت برهة، نعرف ان هناك عملية بيع قد ظفر بها...وعند
صياحه مرة اخرى ، نعرف انه انتهى من عملية البيع في نقاط بيعه المتعددة في البلد
...وكان يصحب معه ميزانه الشهير ذو الكفتين وعيارات الاوزان النحاسية باشكال كنا
ايامها نراها من العجائب وكان هناك حجارة مع الاوزان النحاسية يدعي فيها ان هذا
الحجر يوزن نصف كيلو..فيستعمله كعيار نصف كيلو (500 غرام) مع الاوزان الاخرى اذا
اقتضت الحاجة...والجميع ياخذ بروايته..فترى الاوزان من مختلف القياسات والانواع
منها النحاسية ومنها الحجرية كما اسلفنا..أما الكسور في الاوزان فكان يفراؤها
ويقربها لاقرب ماية غرام لصالحه..والكل موافق، فهناك طلب من جمهور القرية على عرضه
النقدي الذي كانت فئاته القرش والتعريفة والشلن(خمسة قروش وتلفظ عادة شلم) والبريزة
(وهي العشرة قروش) هي فكة فئات العملة بالدينار الاردني....كانت جملته التي ينادي
بها ويصيح كما أشرت هي " اللي عندهم صوصان وحمام وارانب للبيع"!! بشكل
مموسق في الصوت.وممدود.ويكررها مرارا....ما زالت محفورة في اذاننا واذهاننا حتى
الان .اذكرها كانها توازي وتعادل فصلا كاملا من كتاب في التسويق في هذه الايام
لاكبر الخبراء الاقتصاديين امثال ادم سميث او كينز او فريدمان...!! كانت تجارة
السوق التي ينادي بها الان دعاة الراسمالية الليبرالية..والتي تعطي انطباعا بان
توازن السوق هو الذي يحقق الرفاه والنهضة الاقتصادية وبدون ادنى تدخل من
الحكومة..كانت حاضرة في سلوك اطراف عملية البيع والشراء..!! . كان المرحوم
"ابو قراقع " يفرض شروطه واوزانه وكلمته ما بتصير كلمتين..يحتكر السعر
ولا يعطي وزنا حقيقيا . للطير الموزون المرشح للبيع.!! الطلب كان على البيع كثيرا
، اما عرضه فانه كان حاذقا في فرض سعره..فما ان يرى مثلا ان الطير نحيف، (مثلا
زغاليل الحمام) حتى يقول للبائعة: هذا الطير ما بينفع ..فيضطر البائع الى بيعه
بسعر متدنيللكيلو أي انه حرق السعر!!..اي ادنى بكثير من السعر الدارج لدى
"ابو قراقع " ، والذي كان أيضا يختلف من حارة لحارة .فمثلا ان كانت هذه
الحارة تساله كثيرا وتدقق في العيارات للميزان ابو الكفتين.كان يقوم بمنحهم زيادة
شوية عن سعر الحارة الثانية، التي كانت لا تجادل بالاسعار وتصدقه في كل ما يقول!!
الاقتصاد كان يكرسه الحاج المرحوم "ابو قراقع" بمفاهيمه الاساسية في هذا
السوق الذي لا ينازعه غالبا فيه أحد!! .لا انسى ذلك الحاج الجليل المكافح
"ابو قراقع"...وهو يردد تلك العبارة ونلتف حوله بعد ان نخبر ذوي الشان
في الحارة ان "ابو قراقع" جاء...وكان معظم زبائنه سيدات ..حيث يهيئ لي
ان حقيبة "وزارة المالية" في تلك الايام للاسرالقروية كانت موكولة لامهاتنا
وجداتنا بشكل عام.نظرا لان الازواج حسبما اتخيل، كانوا يذهبون في تلك الايام الى
الحقول...للزراعة والاعتناء بالارض!!.كان ميزانه بكفتين مثل كفتي ميزان العدل
....يضع عيارات الاوزان في كفه، والطير او الارنب في الكفه الاخرى، بعد ان يقوم هو
او البائعة بتقييد الطير من جناحيه حتى لا يخرج عن الطوع ويطير ..او الارنب الذي
كان يمسك من اذنيه الطويلتين ..ويبقينها كذلك حتى يتم وزنه وتبدا عمليه المفاوضات
على سعر الكيلو ..وتسود المنطقة هرج ومرج في التفاوض يذكرني بالاسواق العامة...وفي
بعض الاحيان كان المرحوم ابو قراقع يشتري بيضا بلديا...كانت حسبما اذكر كل 6 بيضات
بلديه بشلن.(5 قروش)..وكان ينافس "ابو قراقع " من ابناء البلده حاج
فاضل.-رحمه الله -.يقوم بشراء البيض البلدي وبعض الحمام والارانب في بعض الاحيان ،
وكان دائما يحمل سلة كبيرة (سبته كبيرة) ولكن تجارته ليس بمهارة "ابو
قراقع." الذي هو من احدى البلدان المجاوره لقريتنا ، ولكنه –اي "ابو
قراقع"- كان عندما يشعر ان ابن البلد الحاج يتحرك ليشتري، كان يحرك السعر
شويه لصالح الباعة...، انطلاقا من مأسس ومبادئ التنافس. ليبقى سيد سوق الحمام في
البلد...واخراج الحاج ابن البلدة من السوق..كان يتقن قواعد العرض والطلب والحوافز
السعريه بكل بساطة .....فكان يستحوذ على اغلب صفقات البيع في القرية...!!.
-
ما دعاني اسرد القصة الريفية الخاصة بالحاج
المرحوم "ابو قراقع" هو ميزانه ذو الكفتين....والتي تذكرنا في هذه
الايام بالموازنة العامة للحكومة .لعام 2019... والتي تقوم بتسيير دفة الاقتصاد
الوطني بموازنة عامة تشبه بعض من اسس الميزان بكفتين للمرحوم "ابو
قراقع" ....الكفه الاولى فيها الايرادات والكفة الاخرى فيها النفقات، في هذا
الميزان ذو الكفتين.. تعمل الحكومة جاهدة ان تتساوى الكفتين على الاقل، أي تتساوى
الايرادات والنفقات..وتامل الحكومة دائما بان تزيد الايرادات عن النفقات لتحدث
فائضا وليس عجزا.، لان العجز عندما تحدثه الحكومة في تنفيذها لبنود الموازنة
العامة ، تضطر الى اصدار دين لتسديد مثل هذا العجز...وتبدأ بعدها التراكمات للدين
العام .التي تؤثر على كافة مناحي الاقتصاد الوطني ومؤشراتها من الاسعار والتضخم
والبطالة واسعار العملات ..واسعار الفائدة.ومستوى الدخل والرفاه العام التي .تثقل
كاهل الوطن .ياجياله الحالية واجياله اللاحقة وتغير الامل الى ألم مرير..!!
انني ساكتب لاحقا على صفحتي هذه، حتى
لا اثقل عيونكم بطول الكتابة التي تشكون منها دائما !!! مع حبي لكم في كل الاحوال
لان أملنا جميعا..ان نخدم وطننا الصغير فلسطين ووطننا العربي الكبير الذي ننتمي
اليه بكل فخر وعزة..!...
·
بموضوع ذي صلة بهذا البوست ، المقال اللاحق
..سيكون بعنوان .." الشعب ينتظر ...الموازنة العامة لعام 2019" ..والذي
ذكرني بالكتابة في هذا الموضوع الهام ، والذي يخص كل مواطن لانه – أي المواطن - في
الاصل هو الذي يدفع ايرادات الحكومة في غالبها.سواء من الضرائب بانواعها او الرسوم
والجمارك..سواء كان هذا المواطن موظفا او صاحب مهنة او من اصحاب المشاريع في القطاع
الخاص او الموسسات الفردية والشركات او المصانع..او.مواطنا عاديا يستخدم المرافق
العامة ...الخ .وهو الذي يتكفل بدفع الديون العامة وفوائدها...!! فمن حقه ان يحاسب
الحكومة في كل بند من بنود ايراداتها ونفقاتها ...ومدى التزامها ببنود الموازنة
العامة المعتمدة من ممثلي الشعب...فقصة ميزان الحاج " ابو قراقع" ذو
الكفتين هو أحد المشجعين لي للكتابة في الموضوع القادم " الشعب ينتظر
...الموازنة العامة لعام 2019" ...كل التحية لكم .
تعليقات
إرسال تعليق