نظام السوق ...بين العقال الملبوس والاحتيال المدروس

 


-        27-11-2018

-        كتب جون كينيث جالبريث كتاب " The Economics of innocent Fraud" في عام 2004 عندما كان عمره 95 عاما ومات في عام 2006..من ابرزأساتذة الاقتصاد لدى جامعة هارفارد...في الولايات المتحدة الامريكية.. قرأت الكتاب، ووجدت انه يتكلم عن عالم الغلبة فيه لادارة الشركات العابرة...للقارات حيث لا تعرف حدودا..ولا قيودا..انه عالم "نظام السوق" في العولمة الجديدة...انه الراسمالية القديمة بتاريخها الظالم..في مسمى جديد اسمه .."نظام السوق".

-        (New Terminology) وعندما أكتب عن هذا الموضوع في بلادنا العربية، قد يخيل لبعضهم انه مالنا ومالهم هناك في امريكا ونحن في الشرق الاوسط...واقول لهم...اننا نعيش اقتصاديا في مجتمعاتنا واسواقنا على وقع حركاتهم وخطواتهم وتغريداتهم وتسعيراتهم وديباجة قلمهم! فجرة قلم او كلمة من احدهم هناك ...مسئول.!!.في حال العمل المقصود...تتدربك الدنيا هنا في اقليمنا او اي اقليم في هذه المعمورة ...فتصبح عملاتنا معومة!!، بدون اي تحكم من قبلنا، بفعل فاعل وبدون ضجيج او حتى اطلاق رصاصة....!!.تماما كما يعالجون هم اي خلل في مركبتهم الفضائية على بعد الاف الاميال في الفضاء ..باستخدام كود صغير!! أو تطبيق جاهز !!..يامرون فيها المركبة البعيدة ان تلتحم ..فتلتحم..!!.سبحان الله...!! نحن هنا لا نعاود الالتحام كبشر هنا وهناك...من اجل الاخوة....ووحدة المصير... واعادة اللحمة بيننا، مع اننا في وجه بعضنا بعضا..لكننا بعيدون ..ويخيل لنا اننا قريبون.!.. ونرى ما يجري.من اقتتال وحروب بين الاخوة الاعداء...ونأبى ان نستخدم كودنا الخاص بنا "فلسطين" أو كود "الجامعة العربية" !!..

-        استعرض الدكتور جالبريث في فصول كتابه العشرة ...تاريخ الراسمالية ومشاكلها...في الماضي..وكيف تم تغيير اسمها الى أسماء جديدة لتحاشي السمعة السيئة التي احاطت بالراسمالية في الماضي...، وكان من الاسماء الجديدة "الليبرالية الجديدة" ثم "نظام السوق".في عالم العولمة الجديدة..!!.وأظهر الدكتور جالبريث الدور المشبوه الذي تقوم به (ادارة) كبرى الشركات متعددة الجنسيات في التلاعب بالاسواق والمساهمين المستثمرين والمستهلكين والحياة الاقتصادية بل والسياسية برمتها .في العالم..!!

-        كانت هنا ك رأسمالية ... راسمالية التجارة...منذ بداية اختراع العملة في العام الثامن قبل الميلاد..... وهناك الراسمالية الصناعية ... ثم الراسمالية المالية...حيث واكب تطبيق مفاهيم الراسمالية التقليدية بانواعها ....ازمات وظلم ..واحتكار وحروب طبقات.....وكانت السيادة في السوق للمستهلكين...ثم انتقل الى الدور المهيمن للشركات المساهمة في المجتمع الاقتصادي الحديث الناجمة عن انتقال السلطة في ذلك الكيان من ملاكيها المساهمين او المستثمرين... الى الادارة التنفيذية العليا لهذه الشركات!!...

-        كان التشخيص اليومي للنظام الاقتصادي قد اصابه التاثير عندما توقفت الراسمالية المرجعية التاريخية عن ان تكون مقبولة، اعيد تسمية النظام..حيث كان المصطلح الجديد لطيفا ولكن دون معنى...لا يحمل معه السلبيات التي احاطت تاريخيا بمفهوم الراسمالية التقليدي، يوحي هذا المفهوم الجديد بان علاقات السوق هي مجرد علاقات بين افراد، ولا تحمل في طياتها مفاهيم السيطرة والقوة والاحتكار، وهنا يعتبر جالبريث تلك التسمية الجديدة اسلوبا عبقريا في عمليات (الاحتيال البرئ) على الجمهور..... التحايل على الجمهور من خلال المؤسسات المالية والسماسرة والمستشارين الماليين الذين يدعون بانهم يمتلكون الحقيقة والقدرة على التنبؤ بمستقبل اسواق المال، وسلوك الادوات المالية، ولكن ثبت فشلهم في العاصفة التي هبت على وول ستريت جورنال عام 2008 فقد تم فضح زيف هذا الادعاء !!..

-         دورات اقتصادية حيث الانتقال من الرواج ...الى الكساد....صاحبت عشرة اعوام لاحقة منذ عام 1929 سنة الكساد العظيم....مطالبات بتطوير او الغاء الراسمالية نظرا لما شابها من خسائر وويلات ..وكانت تجربة الكساد ..مؤشرا بعدم عملها حسب ما علق عليها من امال...اضطرت فيه....الراسمالية الى ازاحة نفسها لغويا من السوق...واستخدم لفظ " الليبرالية الجديدة" اضافة الى أن السيادة في المفاهيم التقليدية للرأسمالية كانت للمستهلك.!. وامتد هذا الترسيخ في نظام السوق بالمفهوم الجديد..!! بتاكيد الجزم بسيادة المستهلك ..في نظام الاسواق ..ففي هذا النظام تكون السلطة النهائية في حوزة الذين يشترون !!..كما وانه بحوزة حتى الممتنعين عن الشراء!! ..في محصلة اليوم ...تبقى السلطة النهائية في يد المستهلك.! فاختيار المستهلك يحدد شكل منحنى الطلب.!!..

-        فمثلا قد تفرض الدولة ضرائب ذات معدلات عالية على الاغنياء، فهي تزعم ان ذلك لاجل الفقراء ثم يتضح في التطبيق ان هؤلاء الاغنياء قد تمكنوا بطريقة او باخرى نقل هذه الاعباء الضريبية الى اخرين، حتى وصلت الى الفقراء الذين يتحملون غرمها في نهاية الامر!!..المحاسب الذي يقدر الضريبة التي يتعين على الاغنياء دفعها، لا يعد ذلك، فالمحاسبة علم التوافق مع القانون، اما الاقتصاد فهو يبحث عن الحقيقة.!! انه احتيال ايحائي...!!

-        والحقيقة ان اقناع المستهلك للانفاق..في السوق..هو محصلة ..تحالف واسع بين برامج الاخبار والمنوعات لكسب تاييد المشتري..ويتم توظيف الفنون والدعاية ..وكافة وسائل التسويق الاعلامي ..لتطويق المستهلكين..وترويضهم.والسيطرة عليهم، سواء كان عن طريق الايحاء، أو الارشاد المؤدي الى الانفاق..وعدم الالتزام بقوائم اولويات المستهلك الذاتية.انهم يديرون سلوكنا الاستهلاكي...!!.ويلبسوننا العقال على رؤوسنا.!..بدون ارادة منا..وحتى نبدو على طبيعتنا!.. كاننا نسيَّرَ من قبلهم..في اسواقنا...نضطر ان ننفق ادخاراتنا ...او اموالنا..في الطريق الذي يروجون.!... فنقوم بتحريك الطلب...على سلعهم وخدماتهم ..التي زينوها لنا بموجب حملة ...تسويق صاخبة ومكلفة ولكنها في نهاية المطاف ذات جدوى ربحية!. حيث التحكم في اختيار المستهلك..هناك في السوق وفي ادارة هذه الحملة لادارة سلوك المستهلكين...تكون القدرة التسويقية والاقناعية في هذه الحملة مصحوبة بلمسات من الاحتيال...منها ما هو في الحد الادنى ومنها ما يفوق ...الخداع ..المنظم...!! انهم يلبسوننا العقال في الوقت الذي يريدون ....وفي المكان الذي يبغون..!! فبالتالي..لا يوجد سيادة للمستهلكين في أرض الواقع..!!

-        ان التصنيف الذي ما زال قائما في الاقتصاد، هو القطاع العام والقطاع الخاص..الا ان القطاع الخاص أضحى يهيمن على القطاع العام، بوسائل عديدة مثل الخصخصة، نظام ضريبي اصلاحي...الهيكلة.والتسويات..، لم يبق من الزوايا المعروفة بتيعيتها للقطاع العام..الا جرى اجتياحها..بحجة ان نظام القطاع الخاص. يسير وفق معايير المسئولية والمصلحة للشعب بشكل أكبر من القطاع العام..حتى انتقلت الى قطاعات معروفة استراتيجيا انها ملك للقطاع العام..مثل الجيش والتعليم.والصحة، فاصبحنا نرى شركات خاصة مسلحة..تقوم بحماية البلد ومسئوليه!! واصبحت تدخل بعقود متعددة للتنفيذ، اذ يحال اليها عطاءات القطاع العام. فبالتالي لا يوجد هناك الا قطاع خاص وقطاع خاص يلبس ثوب القطاع العام ويهيمن على قراراته.ضمن سلوك احتيال اداري للاقتصاد!!

-        التاجر الصغير في السوق لا يشعر بالامان، فتاجر التجزئة ينتظره وول مارت وبالنسبة للمزرعة العائلية ...هناك المشروع الكبير للقمح والفواكه ومنتج اللحوم..والدواجن... بالنسبة للكل فهناك الضغوط المتوافرة..من السعر ..والتكلفة الى الخسارة...ولذلك فان التسيد الاقتصادي...والاجتماعي للمشروع الكبير مقبول..والاحتفاء المستمر السياسي والاجتماعي بالمشروع الصغير والزراعة العائلية، هو شكل ملطف للاحتيال، يحتفلون بالتقاليد بوجود تجار صغار الى جانب التجار الكبار .. ..بغض النظر عن الواقع..!!

-        في عالمنا ..المشروع الكبير للدواجن تقيمه الشركات الكبيرة..يهز انقاض المشاريع العائلية والمزارع الصغيرة لتربية الدواجن...ان الزوال متاصل في طبقة المشاريع الصغيرة..!!هكذا تفهم من رسائل الشركات الكبيرة..!! فموهبة الابداع بدون مهارات ادارية تنظيمية ومتنوعة ليست كافية! في مجال التكنولوجيا للمعلومات... فمع العمر والاحالة الى التقاعد والواقع المفروض تتنتقل السلطة الى كيان اكبر الى ادارة ..الى منظمة..الى ميكروسوفت..!!ا و يوجد الفشل والنسيان..باسماء المؤسسين..!! غير ان السلطة التي كانت لهم في زمانهم..تتنتقل الى الادارة العليا في الشركات!!.

-        لا ينبغي ان يخالج شخص اي شك في ان المساهمين الملاك واعضاء مجلس الادارة...المزعومون - في اي مشروع كبير هم خاضعون تماما للادارة ليست في أمريكا لوحدها، وانما في شركات العالم النامي!! وبالرغم ان الانطباع بان للمالك سلطة ما زالت قيد التداول...فان هذه السلطة غير موجودة...في واقع الامر ...وهذا احتيال مقبول... هناك اوقات تصبح فيها الحاجة لمفهوم اقتصادي وسياسي تتطلب تعليقا صريحا مناوئا فالقول بان التعويض الممنوح للادارة التنفيذية للشركات ..يقرره حملة الاسهم..او اعضاء مجلس ادارتهم هو بند عقائدي مزيف...ولاثبات هذه الرواية، فان حملة الاسهم يدعون في كل سنة الى جلسة سنوية تشبه فعلا احد الطقوس الدينية هنا يسود التعبير الاحتيالي...ومع استثناءات ، تبدو نادرة...ليس ثمة رد فعل سلبي ..فموقف الادارة يوافق عليه روتينيا والمساهمون الذين قدموا مسبقا مقترحات بشان السياسة الاجتماعية او الشان البيئي فعليهم تقديم مقترحاتهم مطبوعة..!! ومعها حجة مؤيدة..هذه ترفض من قبل الادارة...بشكل منسق..!!

-        في الحرب العالمية الاولى ظهرت عقيدة ان مصدر الصراع والابادة الجماعية التي انطوت الحرب عليها هو التباس بين مجمعات الاسلحة ، فوراء المذابح يكمن اؤلئك الذين يصنعون البنادق بغية التربح!!..انهم ما زالوا موجودين..في عصرنا الحالي...يحتالون على الامم بتبني مبدا حقوق الانسان...أو الديموقراطية...ولكنهم يصنعون السلاح ويصنعون الموت في العالم الثالث..ليحيا ويربح عالمهم انها الشركات الكبرى..عابرة القارات هي التي تخلق الازمات الاقتصادية والامنية. ليتحرك على الفور مجموعات من الخبراء.ليقوموا بتقديم الحلول مقابل اثمان باهظة تدفعها هذه الدول ، يصنعون وباء، ويحتكرون صنع دوائه...!...نلبس عقلتنا بادارتهم ..الاحتيالية المدروسة...!!

-        لو قمنا بجمع الدخل الناشئ عن الفساد، والدخل المتولد عن الاحتيال، فقد تكون النسبة الى اجمالي الناتج المحلي مذهلة في الدول النامية...!!

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الذمم المدينة والدائنة في الهيئات المحلية في فلسطين – للعام المالي 2023

جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني -المقر الرئيسي -البيرة

الرقابة المالية والادارية في فلسطين للعام 2024