طريق نهب أموال الشعوب....قصة سويسرا
12-8-2018
-
سويسرا...بجمال جبال الالب فيها...دخلت حالة الحياد منذ عام 1516 بعد هزيمتها امام
الجيش الفرنسي..وتم الاعتراف بحياديتها دوليا في مؤتمر فينا عام 1815... . وكونها دولة حيادية. يجعلها بعيدة عن اية حروب، او
صراعات، او ثورات، دولية كانت او اقليمية،...مما يجعل المكان
هناك امن للاموال.. فقد ظلت سويسرا امنة، وبعيدة كل
البعد عن النزاعات، حتى اثناء الحربين العالميتين الاولى او الثانية، واللتين
وقعتا في دول مجاورة لها...كما ان سويسرا ليست عضوا في الاتحاد
الاوروبي...او مجموعة اليورو...وهذا يجنب سويسرا الالتزام، باية
قوانين خارجية، بالاضافة الى تمتع النظام المصرفي في سويسرا بالسرية التامة
للحسابات،..حيث بامكان أي فرد – العميل - ان يفتح حسابا في
المصارف السويسرية، دون ان يضطر الى اعطاء اسمه...او اية معلومات
شخصية...يودع العميل الاموال ويعطى بالمقابل...رمزا يمكنه من
الدخول الى حسابه...ولا يمكن لاية جهة تتبع حسابه.. لكن يتعين على العميل...ان يلتزم
باجراءات معينة، للحفاظ على سرية حسابه...كما يمكن ان يطلع
شخصا ما، على الرقم الخاص به...ليمكنه من التصرف...في الاموال والحساب دون الحاجة الى اعطاء وكالة..
-
سويسرا بحياديتها،
وسريتها المصرفية، تعتبر ملاذا امنا، لايداع أموال العديد من الحكام المستبدين،
فهي لا تخضع لمنطقة اليورو ، فعملتها الفرنك السويسري ، ما زالت قائمة في السوق. وقوية، اذ أن معدل سعر الصرف للفرنك السويسري يساوي دولار واحد لكل
فرنك سويسري .
ثارت تساؤلات كثيرة ، حول السرية
المصرفية، والحياد السويسري، ومصير ثروات شعوب عديدة، مكدسة في حسابات سرية، لحكام
تلك الدول، بدون امكانية استردادها...بشكل يسير ...الا ان سويسرا
كما اعلن مسئولون لديها، تجتهد لتنظيم كافة الوسائل المتعلقة، بتجميد واعادة
الاصول الى اصحابها من خلال تشريع مناسب.
-
ان العملية التي تجري بين الدول المطالبة بثروتها المنهوبة، وبين
سويسرا...معقدة وطويلة، حيث تتطلب مثل هذه العملية : الرصد، والتتبع،
واشراك قطاعات من المجتمع المدني، واستخدام التكنولوجيا الجديدة للتحويلات
النقدية،..وحصر المستفيدين من الاموال المعادة، ..وكل ذلك، تحت
اشراف البنك الدولي...من اجل التاكد من صرف هذه الاموال
المعادة، لدعم برامج لصالح شعوب تلك الدول......هذه الاموال
المحولة من الحكام وبطانتهم...هي اموال متاتية، من عديد من صفقات
من عمولات ورشاوي وتهرب ضريبي، وتبييض أموال،...وسرقات..وتحويلات من البنوك المركزية لتلك الدول، وحالات عديدة اخرى، .أطراف هذه العمليات، الحكام الديكتاتوريون ...ورعايا الدول....ايضا... علما بأن معظم
حالات الفساد الاجنبية على الاراضي السويسرية، ربما لم تكتشف بعد حتى الان..
-
ومن الامثلة على الاموال المنهوبة، على سبيل المثال وليس الحصر : مجموعة النقد البرازيلية (بتروبراس)...صندوق الثروة السيادية الماليزية، اوكرانيا.، الفلبين،..هاييتي، جمهورية الكونغو ، تونس
،مصر، ليبيا... نيجيريا...الخ
-
وعند سؤاله حول تسريع عملية اعادة الاموال المنهوبه للدول المعنية،
في 1-1-2018، قال رئيس الكونفيدرالية..السويسرية...الان بيرسيه...أن سويسرا " تود ان تمضي بشكل
اسرع... بكثير ولكن اعادة هذه الاصول يجب ان يتم وفقا للاجراءات القانونية،
ومع اليقين الكامل...بوصول هذه الاموال الى مكانها
الصحيح...
-
وينقضي زمن طويل، من اجل اثبات الدليل عن عدم مشروعية هذه الاموال،
أو عدم قانونيتها...من قبل الفئة الحاكمة الجديدة في
البلد المطالب، وقد تنقضي مدد طويلة لتسليم مثل هذا الاثبات..مما يدخل قضية المطالبة أحيانا في حالة من التقادم، والتي تسقط
بعدها حق الدول في استعادة الاموال المسروقة... وقد جرت مناقشات
من قبل مجلس الشيوخ السويسري..بغرفتيه العلوية والسفلى..، بخصوص اسقاط عبء اثبات الدليل على عدم شرعية هذه الارصدة..عن كاهل الدول المطالبة، ليصبح هذا العبء، مطلوبا من أصحاب الارصدة
انفسهم او المدافعين عنهم، وهذا نوع من انواع المساعدة للدول المنهوبة .ان تم اقراره..لان اثبات عدم المشروعية يتطلب وقتا
ومالا وجمع ادلة يستغرق وقتا طويلا، فمثلا... كلفت حملة متابعة
استعادة الثروة المنهوبة..من قبل حسني مبارك والمقربين ،
حوالي 120 مليون دولار، ما بين مصروفات ومرتبات، وبدلات سفر، اجور المحامين....الاجانب....علما بان القيمة المطالبة لسويسرا،
باعادتها في قضية مبارك واتباعه..كانت حوالي مليار دولار في البداية..الا ان هناك اموال قد اعيدت لبعض مقربين من مبارك، بعد تبرئتهم من
المحاكم المصرية...اعيدت اليهم..اي الى اصحاب الارصدة لدى سويسرا..مما اثار غضب
قطاعات كبيرة من الحماعات الضاغطة، والمتابعة لاعادة الاموال....المسروقة من نظام مبارك...بعد عزله في 2011...وقد تبقى مبلغ 430 مليون دولار...تخص 30 شخصا من المقربين لمبارك –الرئيس المصري السابق والمعزول....تم تجميدهم
بالاساس من قبل السلطات السويسرية وقائيا... بعد عزل مبارك
بتاريخ 11/2/ 2011 بنصف ساعة...وتم تجديد
التجميد في عام 2016، الا ان السلطات السويسرية..قامت ورفعت التجميد عن هذه الاموال، واغلقت باب المساعدة القانونية
المتبادلة.....نظرا لعدم ثبوت الادلة....حسب ادعاء
السلطات السويسرية...
-
وفي مثال على صعوبة استرداد ثروات الشعوب المنهوبة، اموالهم على
ايدي حكامها، نيجيريا، حيث جرت مفاوضات بين سويسرا ونيجيريا، لاستعادة مئات
الملايين من الدولارات المختلسة، والتي قدرت بمبلغ 2,2 مليار دولار
أمريكي، حولت من قبل الديكتاتور السابق ساني أباشا، من خلال البنك المركزي
النيجيري، بالاضافة الى تحويلات من المقربين اليه في فترة الحكم بين 1993 -1998. وقد تم اعادة مبالغ قيمتها حوالي 321 مليون دولار، تطلبت فترة من الزمن في المفاوضات، وصلت لمدة 20 سنة...بين الطرفين.. علما بأن هناك مبلغ اخر اعيد من سويسرا (من اموال اباشا) في عام 2005 بمقدار 700 مليون دولار...وبالرغم من ذلك، فانه ما زالت هناك مبالغ كبيرة تعود للشعب
النيجيري في سويسرا، لم يتم استردادها حتى الان...حسب العديد من
المصادر..
-
ومن الجدير بالذكر، ان هناك اموال تم مصادرتها، نظرا لعدم مطالبة
الدول بها في الاوقات المسموح فيها للتقدم بالمطالبات ...او عدم نجاح مثل
هذه الدول في تقديم المساعدة القانونية ...بشكل متبادل
للوصول الى ادلة قاطعة...ليتم بموجبها اتخاذ القرارات من قبل
السويسريين......
الا أنه في الجانب الحميد في
الحسابات السرية بسويسرا، هناك حسابات سرية تخص افرادا، أو حركات مقاومة، تكون
فيها سويسرا الملاذ الامن، لحماية هذه الحسابات المشروعة، من أن تطالها ايادي
الحكام المستبدين أو المحتلين.. بالرغم من ان فتح حسابات لدى هذه
البنوك، والتي لا تطلب معلومات، ولا وثائق اثبات شخصية، هي تماما كمقبرة الارقام...يحمل صاحب الاموال رمزا.أو كودا..يصعب تتبعه كما اسلفنا، ويصعب ايضا...العثور على ثروة
صاحب الرقم...حين وفاته...وقد ذهبت اموال طائلة تخص حركات
ثورية، وحركات تحرر ومقاومة، لبلدان عديدة ...حينما كانت بعض
من اموال هذه الجبهات مودعة في سويسرا ايام احتلال بلدانها، باسماء اشخاص.. توفوا بعد الاستقلال....بالاضافة الى
اموال افراد عاديين أو تجار هاربين من الرقابة الدولية، وتتبع الاموال،...لهم ارصدة في سويسرا..بملايين
الدولارات، وعند وفاتهم ..لا يعرف معظم الناس ذوي الصلة، بهذه
الارصدة، ويجري مصادرتها حين تنقضي المدد القانونية المسموح بها في فترتها
للمطالبة...وقد قدرت بعض الجمعيات المدافعة عن ضرورة اعادة الاموال المنهوبة
الى بلادها، بان اموال الافراد عدا الحكام الطغاة، والتي تم مصادرة ارصدة حسابات
افراد متوفين ، وعدم وجود مطالبين...لعدم احاطة اي فرد من بلاد المتوفي
بهذه الاموال..مبالغ طائلة، تقدر بالمليارات من الدولارات....ان مثل هذه الجمعيات تطلق حملات وتعقد ندوات بضرورة الدفاع عن سمعة
سويسرا، وضرورة عدم فتح حسابات سرية لافراد من بلدان غير مستقرة...لانه حسب فلسفتهم، ليس من الضروري ممارسة الالاعيب من اجل ضمان
النجاح، ومن هذه الجمعيات في سويسرا.."عين الجمهور"”..
-
ومن البنوك السويسرية الكبيرة التي تنخرط في فتح الحسابات السرية،
هو بنك كريدي سويس.. ثاني أكبر بنك في سويسرا..
-
هذا وخضعت السلطات السويسرية، لضغوطات من قبل الولايات المتحدة
الامريكية...لرفع جدار السرية عن حسابات وارصدة عائدة لامريكيين ، يحتفظون
بحسابات لدى البنوك السويسرية، للوقوف على وضعهم الضريبي في الولايات المتحدة، ولم
يجدي كون سرية المصارف مقدسة، لدى السويسريين، فقامت سويسرا، اثر هذه الضغوط،
بتقديم قوائم بالحسابات للامريكيين..بالاضافة ايضا الى بعض الدول
الاوروبية.......وفي هذا الشأن، فان الولايات المتحدة الاميريكية، قامت بتوزيع
مذكرات على كافة دول العالم ، تطلب فيه قوائم باسماء الامريكيين، الذين يحتفظون
بحسابات لدى هذه الدول...وتقوم البنوك لدينا، وكافة الدول
العربية..بتقديم مثل هذه القوائم من المعلومات، بشكل دوري الى وزارة المالية
الامريكية عبر تنسيق سائد ودائم..
-
هذا وقد قدرت مصادرمطلعة، ان أموال العرب في سويسرا..(احصائية للغرفة العربية السويسرية للتجارة والصناعة)،.تتجاوز مبلغ 200 مليار دولار....الامر الذي يشكك فبه اخرون والذين
يقدرون ارصدة العرب في سويسرا ...بما يقارب 2 تريليون دولار....ولا يستطيع احد عادي معرفة الارقام بدقة...نظرا للسرية
المطبقة في المصارف، بالاضافة الى ضغوطات تخضع لها سويسرا من جماعات النفوذ،
لاصحاب الحسابات السرية.
-
وفي هذا المضمار، فان الرئيس الامريكي، لوح في الاونة الاخيرة،
بالتهديد بفضح حسابات بعض الانظمة العربية في سويسرا، للذين يترددون في الانصياع
لاملاءاته واهدافه.
ان بعضا من أموال الشعوب العربية...وبعض شعوب العالم، استنزف، و يستنزف من حكامها، وبعض رعاياها...بتهريب الاموال التي حصلوا عليها من وسائل غير مشروعة،....الى قبلة السرية المصرفية والحيادية....سويسرا.....انها قضية بالغة الاهمية، ويجب تفعيل هذه القضية، مع لجنة مكافحة
الفساد في الامم المتحدة....والتعاون بين كافة قطاعات المجتمع
المدني .وكافة مؤسساته المعنية من نقابات المحامين وغيرها، ومؤسسات دولية،
لتوثيق حالات التهرب والتهريب..من قبل مسئولين وافراد، حتى لا تضيع
حقوق وأموال الشعب، بين صعوبة تقديم الدليل، ودخول هذه القضايا في حالات التقادم،
والمصادرة، لجهات اخرى غير مستحقينها الاساسيين في البلد....برغم الضغوطات
والتهديدات التي تتعرض لها هذه الجهات الفاعلة لمكافحة الفساد..
-
انه بقدر بياض ثلوج جبال الالب السويسرية، وجمالها...بقدر قتامة وسواد سمعة البنوك السويسرية....كمكان لايداع
سرقات أموال الشعوب .برغم أن هذه البنوك قد تكون في
المقابل...ملاذا امنا لرعايا بعض الدول المستبدة، الفارين باموالهم الى
البنوك السويسرية، خوفا من سرقتها ومصادرتها، بدون وجه ووازع قانوني، من قبل انظمة
مستبدة......... الا ان سويسرا ، تتحمل مسئولية ادبية، في هذا المضمار...حيث انها تساعد بسرية مصارفها الفريدة، وعدم التحقق من شرعية
المصدر لهذه الاموال، على نهب اموال الشعوب...
-
ان معظم حكام الشعوب العربية...يبدو أنهم يتمسكون
بجزء من حديث.روي عن سيدنا على بن ابي طالب (رض) أنه قال " أعمل لدنياك كانك تعيش أبدا.." .فيقوم هؤلاء الحكام بفتح حسابات سرية لهم ولذويهم، وايداع اموال
منهوبة من اموال هذه الشعوب، في سويسرا...لضمان خاتمتهم....ونحن نكمل الحديث الانف الذكر لسيدنا على بن ابي طالب (رض)، ونوجهه الى حكامنا العرب..." وأعمل لاخرتك كانك تموت غدا"....أطال الله
أعماركم...فلن ينفعكم لا المال ولا البنون.....المخفي أعظم،
والله أعلى وأعلم.
تعليقات
إرسال تعليق